Photo: Sinan Şahin, CC BY 3.0, Wikimedia Commons
كنيسة القديس نيكولاس (دمره)
متحفتاريخيدينيAziz Nikolaos Anıt Müzesi
كنيسة القديس نيكولاس في بلدة دمره — ميرا القديمة — بمحافظة أنطاليا من أشهر المزارات المسيحية في تركيا، وهي اليوم موقع أثريّ ومتحف لا كنيسة عاملة. وقبل أيّ شيء نضبط توقّع الزائر في أمرين. الأول أن المبنى كلّه تحت مظلّة واقية حديثة كبيرة، أُقيمت لأن الكنيسة تقع نحو متر تحت مستوى سطح البحر فهي مهدَّدة بالمطر وارتفاع المياه الجوفية دائمًا — أي أنك تراها داخل حيّز مسقوف مظلَّل ذي هيئة شبه صناعية، ولا تُصوَّر كخرابة رومانسية. والثاني أهمّ: القبر الذي جئت لتراه فارغ.
فأمّا الرجل فيجب أن يُفصَل عن الأسطورة. نيقولاوس أسقف ميرا شخصية من القرن الرابع الميلادي، يُذكر أنه وُلد نحو سنة 260–270 في باتارا وتوفي في السادس من ديسمبر نحو سنة 343. لكن لا توجد له سيرة معاصرة: أقدم سيرة كاملة باقية كتبها ميخائيل الأرشمندريت نحو سنتَي 814 و842 — أي بعد وفاته بنحو خمسة قرون، وإن اعتمدت على مادة أقدم. فالمؤرخون يعدّون وجود أسقف بهذا الاسم في ميرا مرجَّحًا، ويعدّون سيرته تراكمًا مناقبيًّا. ومن تلك السيرة جاءت أشهر حكاياته: أنه ألقى ليلًا صرر ذهب في بيت رجل فقير له ثلاث بنات لا يملك لهنّ مهرًا فيُخشى أن يُبعن — وهذه هي جذر فكرة العطاء الليلي السرّي التي صارت بعد قرون هدايا الميلاد. أما تفصيلة سقوط الذهب في جوارب معلّقة عند المدفأة فإضافة غربية متأخرة لا أصل لها في المصدر القديم.
وحضوره مجمع نيقية سنة 325 مسألة مختلَف فيها حقًّا، ولا يصحّ أن تُقرَّر. فمحاضر المجمع الأصلية مفقودة، وقوائم الحضور وصلتنا في نسخ وسيطة: اسمه غائب عن نحو عشر من ست عشرة قائمة، وفي إحدى عشرة نسخة من قائمة الموقّعين لا يرد إلا في ثلاث — وإن كانت إحدى الثلاث من أجود المخطوطات. وقد كان يُظنّ أن القوائم القصيرة أوثق، ثم ضعف هذا الظنّ لأن حاضرين معروفين لا يردون إلا في القوائم الطويلة. ويذكره ثيودوروس القارئ في القرن السادس بين الحاضرين. فالحكم الأمين: ممكن بل مرجَّح عند بعضهم، وغير مثبَت. وأما الحكاية الشائعة أنه صفع آريوس في المجمع فأسطورة متأخرة لا تُروى قبل القرن الرابع عشر تقريبًا، ويرفضها المؤرخون.
وأمّا الرفات فقصّتها هي درامة هذا المكان. في سنة 1087 جاء تجّار وبحّارة من مدينة باري الإيطالية فأخذوا العظام من الناووس في ميرا، وبلغوا بها بلدهم في التاسع من مايو. وكان ذلك بعد أن انكسرت السيطرة البيزنطية على ليكيا في مدّ السلاجقة عقب ملاذكرد سنة 1071. وللحادثة روايتان قديمتان كلتاهما أصيلة، ونعرضهما معًا ولا نرجّح: تسمّيها باري والتقليدان الكاثوليكي والأرثوذكسي «نقلًا» أنقذ الرفات من الضياع؛ ويصفها مؤرخون محدثون سرقةً دافعها اقتصاد الحجّ، إذ كانت باري والبندقية تتنافسان على الغنيمة — وقد قاوم الرهبان اليونانيون حرّاس القبر فغُلبوا. وأُودعت الرفات في سرداب كنيسة القديس نيقولا بباري الذي اكتمل سنة 1089، ووضعها فيه البابا أوربان الثاني بنفسه. وتنضح العظام سائلًا صافيًا يسمّى «مَنّ القديس نيقولا» يُجمع كل سنة في التاسع من مايو؛ تعدّه الكنيسة معجزة، ويفسّره التفسير الطبيعي بترشّح المياه الجوفية إلى سرداب حجري مسامّي تحت منسوب الماء — ونذكر التفسيرين.
ثم جاءت البندقية: في سنتَي 1099 و1100 أخذ بحّارة بنادقة في الحملة الصليبية الأولى الشظايا التي تركها فريق باري في ميرا، فأودعوها كنيسة سان نيكولو في الليدو. وفي سنة 1992 خلصت دراسة تشريحية إلى أن شظايا البندقية وهيكل باري من شخص واحد، وأن عظام البندقية هي بالضبط ما ينقص هيكل باري. وهذا أقوى دليل على أن فريق سنة 1087 أفرغ قبر ميرا فعلًا. وفي سنة 2017 أجرت جامعة أكسفورد تأريخًا بالكربون المشعّ لشظية حوض محفوظة في إلينوي فجاءت من القرن الرابع الميلادي، أي متوافقة مع تاريخ الوفاة المتوارث — ونضبط ما قالته أكسفورد نفسها: هذا يؤرّخ العظم للقرن الصحيح ولا يثبت أنه عظم نيقولاوس. وقد طالب مسؤولون أتراك بإعادة الرفات؛ آخرها دعوة جدّدها البروفيسور نوزات تشيفيك مدير حفريات ميرا وأندرياكه، موجَّهة إلى الفاتيكان لا إلى الحكومة الإيطالية وهو تحوّل عن المسار السابق. ولا توجد دعوى استرداد رسمية قائمة.
وأمّا المبنى فأصله كنيسة من أواخر القرن الرابع، وُسّعت في عهد الإمبراطور يوستنيانوس الأول (527–565). وتختلف المصادر في عمر الهيكل القائم: ويكيبيديا تقول سنة 520، بينما ترى المصادر المتخصّصة أن البناء الذي تراه اليوم من القرن الثامن أُعيد فيه استعمال مواد أقدم — فالصياغة الجامعة: أساس من القرن السادس، ونسيج غالبه من الثامن، وإعادات بناء كثيرة بعده. وفي سنة 1034 أصابه ضرر بالغ في غارة عربية، ثم رمّمه ووسّعه الإمبراطور قسطنطين التاسع مونوماخوس والإمبراطورة زوي سنة 1042 أو 1043. ومن القرن الثالث عشر تداعى الموقع ودُفن تحت طمي نهر ميروس حتى صار نحو متر تحت مستوى سطح البحر، ولهذا صارت المياه الجوفية خطره الدائم. ولم يُكشف عنه إلا سنة 1962 حين أزالت السلطات التركية الطمي، والتنقيب والترميم متصلان منذ 1989. وننبّه إلى أمر يسأل عنه قارئنا كثيرًا: هذا المبنى لم يُحوَّل قطّ إلى مسجد — بخلاف ما قد يُظنّ قياسًا على آيا صوفيا وغيرها. وصلته بالتاريخ الإسلامي ثلاث: غارة سنة 1034، ثم سيطرة سلجوقية على ليكيا بعد 1071 وهي الظرف الذي أتاح نقل الرفات، ثم قرون عثمانية ظلّ فيها مهجورًا مدفونًا لا مستعمَلًا. وظلّ حوله مجتمع مسيحي حتى التبادل السكاني سنة 1923.
وأغرب فصول المبنى فصلٌ روسيّ عثمانيّ يستحقّ أن يُروى. في سنة 1853 اشترت الحكومة الروسية الكنيسة ومحيطها عبر الكونتيسة آنّا غوليتسينا، فأبطلت الدولة العثمانية البيع لاحقًا — وكان ذلك تصرّفًا سياسيًّا لا دينيًّا: قرأت الآستانة الرعاية الروسية للمزار توغّلًا في أرضها في زمن حرب القرم. ثم استُؤنف العمل سنة 1858، وجرى تنقيب وترميم شامل بين أكتوبر 1858 ومايو 1860 بإشراف المعماري والمصوّر الفرنسي أوغست سالزمان، واكتمل البناء الرئيسي سنة 1862–1863 بكلفة نحو أربعين ألف روبل، وأُضيف برج أجراس، وأُقيمت أقبية أسطوانية فوق صحن الكنيسة محلّ ما يرجّح المؤرخون أنه كان قبة، ودُعّمت الجدران من الخارج. وهنا خطأ يتكرر في المحتوى العربي والإنجليزي: يُقال إن القيصر نيقولا الأول رمّمها سنة 1862 — وهذا مستحيل زمنيًّا لأنه توفي سنة 1855. والصواب أن البداية كانت في عهده — وله نقش إهداء روسيّ باقٍ في حنيّة الكنيسة الجنوبية — وأن التنفيذ والتمويل كانا في عهد الإسكندر الثاني بين 1858 و1863. وحكم الباحثين على هذا الترميم سلبيّ: عدّه كيريل مانغو وريتشارد كراوتهايمر إضرارًا بالطابع البيزنطي للمبنى، مع إقرارهما ببقاء هيئته الأساسية.
وفي الكنيسة اليوم جداريات من القرنين الحادي عشر والثاني عشر باقية في رقع متفرقة، وفي رواق الملحق الشمالي الشرقي دورة الجداريات الوحيدة الباقية في تركيا لسيرة القديس نيقولاوس — والتفضيل هنا «في تركيا» لا في العالم. وأرضياتها من الأوبوس سكتيله، وهو ترصيع حجري هندسي، مع فسيفساء. وفيها عدّة نواويس، والذي يُنسب إليه تقليدًا مكسور مفتوح. ونضبط هذا ضبطًا: لا نقش يثبت أنه قبره؛ وإنما تقوم النسبة على التقليد وعلى شاهد ماديّ واحد — أن غطاءه تشرّب الزيت في سطحه العلوي، وفي ظهره ثقب كان الحجّاج يجمعون منه «المنّ» — وهذا يوافق قبرًا كثيف التبرّك. فالعبارة الصحيحة: «الناووس الذي يُنسب إليه تقليدًا»، لا «قبره».
وأما حفريات 2024 فحكاية في الإعلام أكبر منها في الأرض. منذ سنة 2022 يجري تنقيب ضمن مشروع وزارة الثقافة والسياحة «إرث للمستقبل» بإشراف الأستاذة المشاركة إبرو فاطمة فِنديك من جامعة هاتاي مصطفى كمال، مركَّزًا على الملحق ذي الطابقين الذي يُعتقد أنه موضع الدفن الأصلي. وفي ديسمبر 2024 أُعلن عن ناووس من الحجر الجيري بغطاء جمالونيّ طوله نحو مترين عُثر عليه تحت أرضية الفسيفساء في ذلك الملحق — وأُعلن ذلك في السادس من ديسمبر، عيد القديس نفسه. لكن أحدًا لم يقل إنه وجد القديس نيقولاوس. قالت فِنديك نصًّا إن أكبر أملهم العثور على نقش يؤرّخ الدفن وربما يعرّف صاحبه، وإن التأريخ بالكربون جارٍ — ولم تُنشر حتى الآن نتيجة تؤكّد أيّ هوية. وقد فحص موقع «سنوبس» الخبر في ديسمبر 2024 فصنّفه غير محسوم. وننبّه إلى خطأ رقميّ انتشر: تناقلت تجميعات إخبارية أن الناووس على عمق ستة أمتار، والرقم الذي يعود إلى فريق الحفر هو نحو متر ونصف تحت مستوى الأرضية — والستة أمتار خطأ تحويل وحدات. (وقبله في سنة 2017 أعلن مسؤول تركي أن مسحًا بالرادار كشف حيّزًا سليمًا تحت الكنيسة وأن الرفات ربما لم تغادر ميرا قطّ — ولم يتأكّد ذلك، ودراسة 1992 التي طابقت باري بالبندقية تعارضه.)
كيف أصل؟
مواعيد الزيارة
الدخول والتذاكر
أفضل موسم
يهمّك أن تعرف
القبر فارغ — والرفات في إيطاليا
الرجل التاريخي غير الرجل الأسطوري
لم يُكتشف قبر بابا نويل سنة 2024
توقّع مبنى تحت مظلّة لا خرابة رومانسية
الموقع على الخريطة
الاتجاهات إلى كنيسة القديس نيكولاس (دمره) في خرائط جوجلمن تجارب الزوار
قف عند الناووس المكسور ثم اقرأ عليه شاهدَين ماديَّين لا يُريان من بعيد: سطح الغطاء تشرّب الزيت على مرّ القرون، وفي ظهره ثقب كان الحجّاج يجمعون منه ما يسمّونه «المنّ». هذان الأثران لا يثبتان صاحب القبر — فلا نقش عليه — لكنهما يثبتان شيئًا آخر لا يقلّ دلالة: أن هذا الناووس بالذات كان مقصد تبرّك كثيف قرونًا طويلة. ثم انتقل إلى رواق الملحق الشمالي الشرقي وابحث عن الجداريات: هناك دورة الجداريات الوحيدة الباقية في تركيا لسيرة القديس نيقولاوس، ومعها في الكنيسة رقع من تصوير القرنين الحادي عشر والثاني عشر وأرضيات ترصيع حجريّ هندسي. وتذكّر وأنت تمشي أن أرضك هذه كانت مدفونة تحت طمي النهر حتى سنة 1962.
والقصّة التي تستحقّ أن يخرج بها الزائر ليست عن قدّيس بل عن كيف يُصنع رمز. فأسقف من القرن الرابع في ساحل ليكيا، حكايته الأشهر أنه أعطى في الليل سرًّا لبنات فقير — صار في هولندا «سينتركلاس» (اختصار «القديس نيكولاس») يُحتفى به في الخامس والسادس من ديسمبر، فحمله المستوطنون الهولنديون إلى نيو أمستردام التي صارت نيويورك. ثم أعاد ثلاثة من أهل نيويورك صياغته: جون بينتارد الذي روّج له شفيعًا للمدينة من سنة 1810، وواشنطن إيرفنغ الذي اخترع في كتابه سنة 1809 «تقاليد هولندية» لم تكن موجودة، وكلمنت كلارك مور الذي ثبّت سنة 1823 في قصيدته الزلّاجة والرنّة والنزول من المدخنة. ثم صار النطق الإنجليزي لـ«سينتركلاس» «سانتا كلوز»، ورسم الرسّام توماس ناست صورته في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ثم ضخّمتها إعلانات القرن العشرين. والمفارقة: سينتركلاس الهولندي أسقف طويل نحيل على حصان أبيض — أما البدين المرح صاحب الزلّاجة فاختراع أمريكي.
وأما «سياحة بابا نويل» في دمره نفسها فمشروع بلديّ تجاريّ حديث لا تقليد، ومن الأمانة أن يُقال. تعاقبت على ميدان البلدة تماثيل: تمثال برونزي لأسقف ذي هالة يحمل إنجيلًا، استُبدل سنة 2000؛ ثم وضع رئيس البلدية سليمان توبتشو سنة 2005 تمثالًا بلاستيكيًّا لبابا نويل بالحلّة الحمراء لأنه أراد شيئًا يعرفه الأجانب — فانتقده دبلوماسيون روس علنًا بوصفه علمنةً لقدّيسهم؛ ثم جاء تمثال برونزي للنحّات المحلي نجدت جان سنة 2008، ورُفع في أعمال تجديد الميدان ويُذكر أنه لم يُعَد. فالخلاصة التي نقولها لقارئنا صريحة: الأثر هنا عالميّ الطراز، وطبقة بابا نويل فوقه تسويق بلديّ مركَّب — والتناقض بينهما هو القصّة نفسها. ونضيف ما يعني الزائر المسلم: هذا موقع أثريّ ومتحف يُزار زيارة تاريخية، والمبنى لم يُحوَّل قطّ إلى مسجد، وأطرف صلاته بالتاريخ الإسلامي أن الدولة العثمانية أبطلت بيع الكنيسة للروس سنة 1853 لسبب سياسيّ لا دينيّ: قرأت الرعاية الروسية توغّلًا في أرضها زمن حرب القرم.
آخر تحديث لهذه الصفحة: 2026-08-19 — نراجع المعلومات دوريًا، والأسعار والمواعيد قد تتغير؛ تأكد منها قبل زيارتك.
المصادر الرسمية: www.stnicholascenter.org، www.livius.org، www.britannica.com، www.ox.ac.uk، www.snopes.com، www.sciencedirect.com، en.wikipedia.org، www.nyhistory.org
أسئلة شائعة عن كنيسة القديس نيكولاس (دمره)
هل قبر بابا نويل موجود فعلًا في دمره؟
أكانت واقعة سنة 1087 سرقة أم إنقاذًا؟
هل حضر القديس نيقولاوس مجمع نيقية سنة 325؟
هل اكتُشف قبره في حفريات سنة 2024؟
هل الكنيسة عاملة، وهل هي موقع تراث عالمي؟
تريد زيارة كنيسة القديس نيكولاس (دمره) ضمن برنامج كامل؟
جولاتنا في أنطاليا تشمل المواصلات والمرشد العربي — اسأل فريقنا.