تُركاياواتساب مباشر
كنيسة القديس نيكولاس (دمره)

Photo: Sinan Şahin, CC BY 3.0, Wikimedia Commons

كنيسة القديس نيكولاس (دمره)

متحفتاريخيديني

Aziz Nikolaos Anıt Müzesi

كنيسة القديس نيكولاس في بلدة دمره — ميرا القديمة — بمحافظة أنطاليا من أشهر المزارات المسيحية في تركيا، وهي اليوم موقع أثريّ ومتحف لا كنيسة عاملة. وقبل أيّ شيء نضبط توقّع الزائر في أمرين. الأول أن المبنى كلّه تحت مظلّة واقية حديثة كبيرة، أُقيمت لأن الكنيسة تقع نحو متر تحت مستوى سطح البحر فهي مهدَّدة بالمطر وارتفاع المياه الجوفية دائمًا — أي أنك تراها داخل حيّز مسقوف مظلَّل ذي هيئة شبه صناعية، ولا تُصوَّر كخرابة رومانسية. والثاني أهمّ: القبر الذي جئت لتراه فارغ.

فأمّا الرجل فيجب أن يُفصَل عن الأسطورة. نيقولاوس أسقف ميرا شخصية من القرن الرابع الميلادي، يُذكر أنه وُلد نحو سنة 260–270 في باتارا وتوفي في السادس من ديسمبر نحو سنة 343. لكن لا توجد له سيرة معاصرة: أقدم سيرة كاملة باقية كتبها ميخائيل الأرشمندريت نحو سنتَي 814 و842 — أي بعد وفاته بنحو خمسة قرون، وإن اعتمدت على مادة أقدم. فالمؤرخون يعدّون وجود أسقف بهذا الاسم في ميرا مرجَّحًا، ويعدّون سيرته تراكمًا مناقبيًّا. ومن تلك السيرة جاءت أشهر حكاياته: أنه ألقى ليلًا صرر ذهب في بيت رجل فقير له ثلاث بنات لا يملك لهنّ مهرًا فيُخشى أن يُبعن — وهذه هي جذر فكرة العطاء الليلي السرّي التي صارت بعد قرون هدايا الميلاد. أما تفصيلة سقوط الذهب في جوارب معلّقة عند المدفأة فإضافة غربية متأخرة لا أصل لها في المصدر القديم.

وحضوره مجمع نيقية سنة 325 مسألة مختلَف فيها حقًّا، ولا يصحّ أن تُقرَّر. فمحاضر المجمع الأصلية مفقودة، وقوائم الحضور وصلتنا في نسخ وسيطة: اسمه غائب عن نحو عشر من ست عشرة قائمة، وفي إحدى عشرة نسخة من قائمة الموقّعين لا يرد إلا في ثلاث — وإن كانت إحدى الثلاث من أجود المخطوطات. وقد كان يُظنّ أن القوائم القصيرة أوثق، ثم ضعف هذا الظنّ لأن حاضرين معروفين لا يردون إلا في القوائم الطويلة. ويذكره ثيودوروس القارئ في القرن السادس بين الحاضرين. فالحكم الأمين: ممكن بل مرجَّح عند بعضهم، وغير مثبَت. وأما الحكاية الشائعة أنه صفع آريوس في المجمع فأسطورة متأخرة لا تُروى قبل القرن الرابع عشر تقريبًا، ويرفضها المؤرخون.

وأمّا الرفات فقصّتها هي درامة هذا المكان. في سنة 1087 جاء تجّار وبحّارة من مدينة باري الإيطالية فأخذوا العظام من الناووس في ميرا، وبلغوا بها بلدهم في التاسع من مايو. وكان ذلك بعد أن انكسرت السيطرة البيزنطية على ليكيا في مدّ السلاجقة عقب ملاذكرد سنة 1071. وللحادثة روايتان قديمتان كلتاهما أصيلة، ونعرضهما معًا ولا نرجّح: تسمّيها باري والتقليدان الكاثوليكي والأرثوذكسي «نقلًا» أنقذ الرفات من الضياع؛ ويصفها مؤرخون محدثون سرقةً دافعها اقتصاد الحجّ، إذ كانت باري والبندقية تتنافسان على الغنيمة — وقد قاوم الرهبان اليونانيون حرّاس القبر فغُلبوا. وأُودعت الرفات في سرداب كنيسة القديس نيقولا بباري الذي اكتمل سنة 1089، ووضعها فيه البابا أوربان الثاني بنفسه. وتنضح العظام سائلًا صافيًا يسمّى «مَنّ القديس نيقولا» يُجمع كل سنة في التاسع من مايو؛ تعدّه الكنيسة معجزة، ويفسّره التفسير الطبيعي بترشّح المياه الجوفية إلى سرداب حجري مسامّي تحت منسوب الماء — ونذكر التفسيرين.

ثم جاءت البندقية: في سنتَي 1099 و1100 أخذ بحّارة بنادقة في الحملة الصليبية الأولى الشظايا التي تركها فريق باري في ميرا، فأودعوها كنيسة سان نيكولو في الليدو. وفي سنة 1992 خلصت دراسة تشريحية إلى أن شظايا البندقية وهيكل باري من شخص واحد، وأن عظام البندقية هي بالضبط ما ينقص هيكل باري. وهذا أقوى دليل على أن فريق سنة 1087 أفرغ قبر ميرا فعلًا. وفي سنة 2017 أجرت جامعة أكسفورد تأريخًا بالكربون المشعّ لشظية حوض محفوظة في إلينوي فجاءت من القرن الرابع الميلادي، أي متوافقة مع تاريخ الوفاة المتوارث — ونضبط ما قالته أكسفورد نفسها: هذا يؤرّخ العظم للقرن الصحيح ولا يثبت أنه عظم نيقولاوس. وقد طالب مسؤولون أتراك بإعادة الرفات؛ آخرها دعوة جدّدها البروفيسور نوزات تشيفيك مدير حفريات ميرا وأندرياكه، موجَّهة إلى الفاتيكان لا إلى الحكومة الإيطالية وهو تحوّل عن المسار السابق. ولا توجد دعوى استرداد رسمية قائمة.

وأمّا المبنى فأصله كنيسة من أواخر القرن الرابع، وُسّعت في عهد الإمبراطور يوستنيانوس الأول (527–565). وتختلف المصادر في عمر الهيكل القائم: ويكيبيديا تقول سنة 520، بينما ترى المصادر المتخصّصة أن البناء الذي تراه اليوم من القرن الثامن أُعيد فيه استعمال مواد أقدم — فالصياغة الجامعة: أساس من القرن السادس، ونسيج غالبه من الثامن، وإعادات بناء كثيرة بعده. وفي سنة 1034 أصابه ضرر بالغ في غارة عربية، ثم رمّمه ووسّعه الإمبراطور قسطنطين التاسع مونوماخوس والإمبراطورة زوي سنة 1042 أو 1043. ومن القرن الثالث عشر تداعى الموقع ودُفن تحت طمي نهر ميروس حتى صار نحو متر تحت مستوى سطح البحر، ولهذا صارت المياه الجوفية خطره الدائم. ولم يُكشف عنه إلا سنة 1962 حين أزالت السلطات التركية الطمي، والتنقيب والترميم متصلان منذ 1989. وننبّه إلى أمر يسأل عنه قارئنا كثيرًا: هذا المبنى لم يُحوَّل قطّ إلى مسجد — بخلاف ما قد يُظنّ قياسًا على آيا صوفيا وغيرها. وصلته بالتاريخ الإسلامي ثلاث: غارة سنة 1034، ثم سيطرة سلجوقية على ليكيا بعد 1071 وهي الظرف الذي أتاح نقل الرفات، ثم قرون عثمانية ظلّ فيها مهجورًا مدفونًا لا مستعمَلًا. وظلّ حوله مجتمع مسيحي حتى التبادل السكاني سنة 1923.

وأغرب فصول المبنى فصلٌ روسيّ عثمانيّ يستحقّ أن يُروى. في سنة 1853 اشترت الحكومة الروسية الكنيسة ومحيطها عبر الكونتيسة آنّا غوليتسينا، فأبطلت الدولة العثمانية البيع لاحقًا — وكان ذلك تصرّفًا سياسيًّا لا دينيًّا: قرأت الآستانة الرعاية الروسية للمزار توغّلًا في أرضها في زمن حرب القرم. ثم استُؤنف العمل سنة 1858، وجرى تنقيب وترميم شامل بين أكتوبر 1858 ومايو 1860 بإشراف المعماري والمصوّر الفرنسي أوغست سالزمان، واكتمل البناء الرئيسي سنة 1862–1863 بكلفة نحو أربعين ألف روبل، وأُضيف برج أجراس، وأُقيمت أقبية أسطوانية فوق صحن الكنيسة محلّ ما يرجّح المؤرخون أنه كان قبة، ودُعّمت الجدران من الخارج. وهنا خطأ يتكرر في المحتوى العربي والإنجليزي: يُقال إن القيصر نيقولا الأول رمّمها سنة 1862 — وهذا مستحيل زمنيًّا لأنه توفي سنة 1855. والصواب أن البداية كانت في عهده — وله نقش إهداء روسيّ باقٍ في حنيّة الكنيسة الجنوبية — وأن التنفيذ والتمويل كانا في عهد الإسكندر الثاني بين 1858 و1863. وحكم الباحثين على هذا الترميم سلبيّ: عدّه كيريل مانغو وريتشارد كراوتهايمر إضرارًا بالطابع البيزنطي للمبنى، مع إقرارهما ببقاء هيئته الأساسية.

وفي الكنيسة اليوم جداريات من القرنين الحادي عشر والثاني عشر باقية في رقع متفرقة، وفي رواق الملحق الشمالي الشرقي دورة الجداريات الوحيدة الباقية في تركيا لسيرة القديس نيقولاوس — والتفضيل هنا «في تركيا» لا في العالم. وأرضياتها من الأوبوس سكتيله، وهو ترصيع حجري هندسي، مع فسيفساء. وفيها عدّة نواويس، والذي يُنسب إليه تقليدًا مكسور مفتوح. ونضبط هذا ضبطًا: لا نقش يثبت أنه قبره؛ وإنما تقوم النسبة على التقليد وعلى شاهد ماديّ واحد — أن غطاءه تشرّب الزيت في سطحه العلوي، وفي ظهره ثقب كان الحجّاج يجمعون منه «المنّ» — وهذا يوافق قبرًا كثيف التبرّك. فالعبارة الصحيحة: «الناووس الذي يُنسب إليه تقليدًا»، لا «قبره».

وأما حفريات 2024 فحكاية في الإعلام أكبر منها في الأرض. منذ سنة 2022 يجري تنقيب ضمن مشروع وزارة الثقافة والسياحة «إرث للمستقبل» بإشراف الأستاذة المشاركة إبرو فاطمة فِنديك من جامعة هاتاي مصطفى كمال، مركَّزًا على الملحق ذي الطابقين الذي يُعتقد أنه موضع الدفن الأصلي. وفي ديسمبر 2024 أُعلن عن ناووس من الحجر الجيري بغطاء جمالونيّ طوله نحو مترين عُثر عليه تحت أرضية الفسيفساء في ذلك الملحق — وأُعلن ذلك في السادس من ديسمبر، عيد القديس نفسه. لكن أحدًا لم يقل إنه وجد القديس نيقولاوس. قالت فِنديك نصًّا إن أكبر أملهم العثور على نقش يؤرّخ الدفن وربما يعرّف صاحبه، وإن التأريخ بالكربون جارٍ — ولم تُنشر حتى الآن نتيجة تؤكّد أيّ هوية. وقد فحص موقع «سنوبس» الخبر في ديسمبر 2024 فصنّفه غير محسوم. وننبّه إلى خطأ رقميّ انتشر: تناقلت تجميعات إخبارية أن الناووس على عمق ستة أمتار، والرقم الذي يعود إلى فريق الحفر هو نحو متر ونصف تحت مستوى الأرضية — والستة أمتار خطأ تحويل وحدات. (وقبله في سنة 2017 أعلن مسؤول تركي أن مسحًا بالرادار كشف حيّزًا سليمًا تحت الكنيسة وأن الرفات ربما لم تغادر ميرا قطّ — ولم يتأكّد ذلك، ودراسة 1992 التي طابقت باري بالبندقية تعارضه.)

كيف أصل؟

دمره على نحو مئة وأربعين كيلومترًا من أنطاليا: نحو ساعتين بالطريق المباشر، ونحو ثلاث ساعات بحافلة السفر التي تقف في كمر وكوملوجا وفينيكه، بتذكرة يُذكر أنها بين مئة وخمسين ومئتين وخمسين ليرة في 2026. وتصل الحافلات إلى كراج دمره في وسط البلدة. ومن كاش المسافة أقصر بكثير — نحو أربعين كيلومترًا في أقلّ من ساعة — وكاش قاعدة أمتع للإقامة من أنطاليا لمن ينوي ليكيا. والكنيسة في وسط البلدة، ومدينة ميرا الأثرية بمقابرها الصخرية ومسرحها الروماني على نحو كيلومترين شمال الكراج، أي عشر دقائق مشيًا من الكنيسة — فلا تفصل بينهما. وأضف إليهما ميناء أندرياكه ومتحف الحضارات الليكية، ورحلات القوارب من تشاي آغزي إلى كيكوفا والمدينة الغارقة وقرية سيمينا/كاله كوي.

مواعيد الزيارة

التوقيت المتداول: من الثامنة والنصف صباحًا إلى السابعة مساءً من أبريل إلى أكتوبر، ومن الثامنة والنصف إلى الخامسة من نوفمبر إلى مارس — وهي أرقام أدلة محلية لا جدول رسميّ تأكّد لنا، فيُراجَع. ويكفي الكنيسة وحدها من خمس وأربعين دقيقة إلى ساعة، ومعها ميرا وأندرياكه من ساعتين ونصف إلى ثلاث، ويومٌ كامل إن أضفت جولة قوارب كيكوفا. وأمر يجب أن يُقال بوضوح: الموقع متحف، والقدّاس الأرثوذكسي لا يُقام فيه إلا مرة في السنة على الأكثر حول السادس من ديسمبر عيد القديس، وقد مُنح الإذن في سنوات ومُنع في أخرى بحسب تقدير السلطات التركية — فالمصادر مختلفة لأن الواقع نفسه مختلف من سنة إلى سنة. فلا نَعِد الزائر بقدّاس. وقد أُعيد فتح الكنيسة في مايو 2023 بعد ترميم استمر نحو ثمانية عشر شهرًا شمل العزل المائي والتقوية الزلزالية والتوثيق بالمسح الليزري ثلاثي الأبعاد.

الدخول والتذاكر

الكنيسة موقع مذكَّر برسم. ويُتداول لسنة 2026 رقم نحو سبعة عشر يورو لتذكرة الكنيسة، ونحو أربعمئة إلى خمسمئة ليرة لتذكرة مدينة ميرا الأثرية المستقلّة — وهي أرقام من أدلة محلية لم نتمكّن من تأكيدها من مصدر رسميّ، فراجعها قبل السفر. وثمة بطاقة متعددة للمواقع صالحة خمسة عشر يومًا من أول استعمال يُذكر سعرها نحو 5,500 ليرة وتغطّي الكنيسة وميرا معًا ومعهما أندرياكه ومتحف الحضارات الليكية وباتارا وكسانتوس — وهي مجدية لمن ينوي جولة ليكيا كاملة لا لمن يزور دمره وحدها. والبطاقة السنوية المخصّصة للمواطنين والمقيمين الأتراك تُعفي حاملها. وتُقبل البطاقات والنقد عند البوابة.

أفضل موسم

الربيع والخريف أفضل المواسم في ساحل ليكيا، والصيف حارّ جدًّا وإن كانت الكنيسة نفسها مسقوفة بمظلّة واقية فهي مظلَّلة — بخلاف مقابر ميرا الصخرية ومسرحها المكشوفَين تمامًا، فأخّرهما إلى العصر أو قدّمهما إلى الصباح الباكر. والشتاء معتدل ماطر، وهو الموسم الذي تشتدّ فيه مشكلة المياه الجوفية التي بُنيت المظلّة أصلًا لأجلها. وأخصّ أيام السنة هنا السادس من ديسمبر، عيد القديس: يشهد حضورًا خاصًّا وربما قدّاسًا إن أُذن به، وفيه أُعلن اكتشاف الناووس سنة 2024. ودمره من محطات الحجّ الديني الروسي منذ عقود لأن نيقولاوس — «العجائبيّ» عندهم — من أعظم قدّيسي الأرثوذكسية الروسية، فاللافتات والمرشدون بالروسية أمر معتاد هنا.

يهمّك أن تعرف

القبر فارغ — والرفات في إيطاليا

الناووس الذي يُنسب إليه تقليدًا مكسور وفارغ. أخذ تجّار باري العظام سنة 1087، وأخذ بنادقة الشظايا الباقية نحو سنة 1100، وطابقت دراسة سنة 1992 بين المجموعتين فوجدتهما لشخص واحد — وهو أقوى دليل على أن قبر ميرا أُفرغ فعلًا.

الرجل التاريخي غير الرجل الأسطوري

لا سيرة معاصرة لنيقولاوس: أقدم سيرة كاملة كتبها ميخائيل الأرشمندريت بعده بخمسة قرون. فالمؤرخون يرجّحون وجوده ويعدّون سيرته تراكمًا مناقبيًّا. وحضوره مجمع نيقية 325 غير مثبت، وصفعة آريوس أسطورة لا تُروى قبل القرن الرابع عشر.

لم يُكتشف قبر بابا نويل سنة 2024

عُثر في ديسمبر 2024 على ناووس حجري بغطاء جمالوني طوله نحو مترين تحت أرضية الفسيفساء — بلا نقش وبلا هوية مؤكَّدة، وقالت رئيسة الحفر إن أملهم الأكبر العثور على نقش. وصنّف موقع «سنوبس» الخبر غير محسوم. وما تناقلته تجميعات من عمق «ستة أمتار» خطأ تحويل وحدات؛ الرقم نحو متر ونصف.

توقّع مبنى تحت مظلّة لا خرابة رومانسية

الكنيسة تحت مظلّة واقية حديثة كبيرة لأنها نحو متر تحت مستوى سطح البحر ومهدَّدة بالمياه الجوفية. فتراها في حيّز مسقوف مظلَّل ذي هيئة شبه صناعية — وهذا نافع في حرّ الصيف، لكنه ليس ما تتوقّعه الصور.

الموقع على الخريطة

الاتجاهات إلى كنيسة القديس نيكولاس (دمره) في خرائط جوجل

من تجارب الزوار

قف عند الناووس المكسور ثم اقرأ عليه شاهدَين ماديَّين لا يُريان من بعيد: سطح الغطاء تشرّب الزيت على مرّ القرون، وفي ظهره ثقب كان الحجّاج يجمعون منه ما يسمّونه «المنّ». هذان الأثران لا يثبتان صاحب القبر — فلا نقش عليه — لكنهما يثبتان شيئًا آخر لا يقلّ دلالة: أن هذا الناووس بالذات كان مقصد تبرّك كثيف قرونًا طويلة. ثم انتقل إلى رواق الملحق الشمالي الشرقي وابحث عن الجداريات: هناك دورة الجداريات الوحيدة الباقية في تركيا لسيرة القديس نيقولاوس، ومعها في الكنيسة رقع من تصوير القرنين الحادي عشر والثاني عشر وأرضيات ترصيع حجريّ هندسي. وتذكّر وأنت تمشي أن أرضك هذه كانت مدفونة تحت طمي النهر حتى سنة 1962.

والقصّة التي تستحقّ أن يخرج بها الزائر ليست عن قدّيس بل عن كيف يُصنع رمز. فأسقف من القرن الرابع في ساحل ليكيا، حكايته الأشهر أنه أعطى في الليل سرًّا لبنات فقير — صار في هولندا «سينتركلاس» (اختصار «القديس نيكولاس») يُحتفى به في الخامس والسادس من ديسمبر، فحمله المستوطنون الهولنديون إلى نيو أمستردام التي صارت نيويورك. ثم أعاد ثلاثة من أهل نيويورك صياغته: جون بينتارد الذي روّج له شفيعًا للمدينة من سنة 1810، وواشنطن إيرفنغ الذي اخترع في كتابه سنة 1809 «تقاليد هولندية» لم تكن موجودة، وكلمنت كلارك مور الذي ثبّت سنة 1823 في قصيدته الزلّاجة والرنّة والنزول من المدخنة. ثم صار النطق الإنجليزي لـ«سينتركلاس» «سانتا كلوز»، ورسم الرسّام توماس ناست صورته في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، ثم ضخّمتها إعلانات القرن العشرين. والمفارقة: سينتركلاس الهولندي أسقف طويل نحيل على حصان أبيض — أما البدين المرح صاحب الزلّاجة فاختراع أمريكي.

وأما «سياحة بابا نويل» في دمره نفسها فمشروع بلديّ تجاريّ حديث لا تقليد، ومن الأمانة أن يُقال. تعاقبت على ميدان البلدة تماثيل: تمثال برونزي لأسقف ذي هالة يحمل إنجيلًا، استُبدل سنة 2000؛ ثم وضع رئيس البلدية سليمان توبتشو سنة 2005 تمثالًا بلاستيكيًّا لبابا نويل بالحلّة الحمراء لأنه أراد شيئًا يعرفه الأجانب — فانتقده دبلوماسيون روس علنًا بوصفه علمنةً لقدّيسهم؛ ثم جاء تمثال برونزي للنحّات المحلي نجدت جان سنة 2008، ورُفع في أعمال تجديد الميدان ويُذكر أنه لم يُعَد. فالخلاصة التي نقولها لقارئنا صريحة: الأثر هنا عالميّ الطراز، وطبقة بابا نويل فوقه تسويق بلديّ مركَّب — والتناقض بينهما هو القصّة نفسها. ونضيف ما يعني الزائر المسلم: هذا موقع أثريّ ومتحف يُزار زيارة تاريخية، والمبنى لم يُحوَّل قطّ إلى مسجد، وأطرف صلاته بالتاريخ الإسلامي أن الدولة العثمانية أبطلت بيع الكنيسة للروس سنة 1853 لسبب سياسيّ لا دينيّ: قرأت الرعاية الروسية توغّلًا في أرضها زمن حرب القرم.

آخر تحديث لهذه الصفحة: 2026-08-19 — نراجع المعلومات دوريًا، والأسعار والمواعيد قد تتغير؛ تأكد منها قبل زيارتك.

المصادر الرسمية: www.stnicholascenter.org، www.livius.org، www.britannica.com، www.ox.ac.uk، www.snopes.com، www.sciencedirect.com، en.wikipedia.org، www.nyhistory.org

أسئلة شائعة عن كنيسة القديس نيكولاس (دمره)

هل قبر بابا نويل موجود فعلًا في دمره؟
في الكنيسة ناووس مكسور يُنسب إليه تقليدًا — وهو فارغ. أخذ تجّار وبحّارة من باري الإيطالية العظام سنة 1087 وبلغوا بها بلدهم في التاسع من مايو، وأخذ بحّارة من البندقية الشظايا الباقية نحو سنة 1100. وفي سنة 1992 خلصت دراسة تشريحية إلى أن المجموعتين لشخص واحد وأن عظام البندقية هي ما ينقص هيكل باري — وهو أقوى دليل على أن قبر ميرا أُفرغ فعلًا. فدمره فيها القبر لا الجسد. ولا نقش على الناووس يثبت نسبته، وإنما تقوم النسبة على التقليد وعلى تشرّب غطائه بالزيت وثقب في ظهره كان الحجّاج يجمعون منه «المنّ».
أكانت واقعة سنة 1087 سرقة أم إنقاذًا؟
الروايتان قديمتان وكلتاهما أصيلة، ولا نرجّح بينهما. تسمّيها باري والتقليدان الكاثوليكي والأرثوذكسي «نقلًا» أنقذ الرفات من الضياع بعدما انكسرت السيطرة البيزنطية على ليكيا في مدّ السلاجقة عقب ملاذكرد 1071. ويصفها مؤرخون محدثون سرقةً دافعها اقتصاد الحجّ، إذ كانت باري والبندقية تتنافسان — وقد قاوم الرهبان اليونانيون حرّاس القبر فغُلبوا. والثابت أن البابا أوربان الثاني هو الذي أودع الرفات سرداب كنيسة باري سنة 1089 بنفسه.
هل حضر القديس نيقولاوس مجمع نيقية سنة 325؟
غير مثبت. محاضر المجمع الأصلية مفقودة، واسمه غائب عن نحو عشر من ست عشرة قائمة حضور، ولا يرد إلا في ثلاث من إحدى عشرة نسخة من قائمة الموقّعين — وإن كانت إحداها من أجود المخطوطات — ويذكره ثيودوروس القارئ في القرن السادس. فحضوره ممكن بل مرجَّح عند بعضهم وغير مثبَت. وأما حكاية أنه صفع آريوس في المجمع فأسطورة متأخرة لا تُروى قبل القرن الرابع عشر تقريبًا ويرفضها المؤرخون.
هل اكتُشف قبره في حفريات سنة 2024؟
لا، لم يثبت ذلك. عُثر في ديسمبر 2024 على ناووس من الحجر الجيري بغطاء جمالوني طوله نحو مترين تحت أرضية الفسيفساء في الملحق ذي الطابقين، ضمن تنقيب تشرف عليه الأستاذة المشاركة إبرو فاطمة فِنديك. ولم يُعثر على نقش ولم تُؤكَّد أيّ هوية، وقالت رئيسة الحفر إن أملهم الأكبر العثور على نقش، والتأريخ بالكربون جارٍ. وقد صنّف موقع «سنوبس» الخبر غير محسوم. وننبّه إلى أن ما تناقلته تجميعات إخبارية من عمق «ستة أمتار» خطأ تحويل وحدات — والرقم الذي يعود إلى فريق الحفر نحو متر ونصف تحت مستوى الأرضية.
هل الكنيسة عاملة، وهل هي موقع تراث عالمي؟
هي متحف وموقع أثريّ لا كنيسة عاملة، والقدّاس الأرثوذكسي لا يُقام فيها إلا مرة في السنة على الأكثر حول السادس من ديسمبر، وقد أُذن به في سنوات ومُنع في أخرى — فلا نَعِد الزائر بقدّاس. وأما اليونسكو فهي على القائمة التمهيدية منذ سنة 2000 وليست مسجَّلة؛ والمحتوى العربي يسمّيها «موقع تراث عالمي» وهذا خطأ. وقد أُعيد فتحها في مايو 2023 بعد ترميم نحو ثمانية عشر شهرًا.

تريد زيارة كنيسة القديس نيكولاس (دمره) ضمن برنامج كامل؟

جولاتنا في أنطاليا تشمل المواصلات والمرشد العربي — اسأل فريقنا.

قريب من كنيسة القديس نيكولاس (دمره)