الصورة: Gordion Archive, Penn Museum — CC BY-SA 4.0، ويكيميديا كومنز
مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو)
معلمتاريخيمتاحف وثقافةGordion
غورديون عاصمة الفريجيين، وهي في قرية ياسّي هويوك بقضاء بولاتلي من محافظة أنقرة، على سهل نهر سقاريا. وأول ما يجب أن يعرفه الزائر أنها ليست معلمًا داخل مدينة أنقرة كما يوحي أكثر المحتوى العربي: بينها وبين المدينة نحو 90 إلى 95 كيلومترًا غربًا، فهي رحلة نصف يوم لا محطة في جولة حضرية. وقد أُدرجت على قائمة التراث العالمي في اليونسكو سنة 2023 باسم «غورديون» (الملفّ رقم 1669) بالمعيار الثالث وحده، على أنها خير شاهد باقٍ على الحضارة الفريجية — حضارة العصر الحديدي التي برعت في البناء بالخشب ونحته وفي المعادن. ومساحة الموقع المسجَّل 1,064 هكتارًا ونطاقه الحاجز 4,430 هكتارًا. وتفصيلة تخصّ قارئنا: جرى التسجيل في الدورة الخامسة والأربعين الموسّعة للجنة التراث العالمي المنعقدة في الرياض في سبتمبر 2023 — أي أن غورديون دخلت التراث العالمي من عاصمة عربية، وقلّ من ذكر ذلك بالعربية.
ويسيطر على أفق السهل التلّ الجنائزي الكبير المعروف بـ«تومولوس MM»، وارتفاعه اليوم نحو 53 مترًا وقطره نحو ثلاثمئة متر، ويُقدَّر أن ارتفاعه الأصلي بلغ نحو سبعين مترًا قبل أن يتهدّل ويتّسع في سبعة وعشرين قرنًا. وحوله حقل من التلال يقول فريق التنقيب في متحف جامعة بنسلفانيا إنها نحو مئة وثلاثين، وتذكر مصادر أخرى ما فوق المئة والعشرين أو نحو التسعين — فالأسلم أن يقال «أكثر من مئة». وفي جوف التلّ الكبير غرفة دفن خشبية مقاسها 6.15 في 5.15 مترًا: عوارض أرضيتها من الأرز، وجدرانها وسقفها المزدوج الانحدار من الصنوبر، وحولها غلاف خارجي من جذوع العرعر، والكلّ محشوّ بالركام ومختوم بالطين والتراب — وهو الختم الذي منع الرطوبة نحو 2,700 سنة فحفظ الخشب.
وهنا أهمّ ما في هذه الصفحة. الاسم «قبر ميداس» ليس تسمية قديمة: هو اختصار وضعه فريق رودني يونغ سنة 1957 حين فتح التلّ، ثم انتقل إلى كل دليل سياحي فصار يُقرأ حقيقةً مقرَّرة. والدليل يقول غير ذلك: تأريخ حلقات الأشجار مع الكربون المشعّ — وهو عمل مختبر جامعة كورنيل المرتبط باسم بيتر إيان كونيهولم — يضع قطع أخشاب العرعر نحو سنة 740 قبل الميلاد؛ بينما ميداس نفسه — وهو «ميتا ملك المشكي» في السجلات الآشورية — مشهود له بين سنتَي 717 و709 قبل الميلاد. فالرجل المدفون هنا مات قبل ازدهار ميداس بجيل تقريبًا. ولذلك صار الرأي الغالب اليوم أن صاحب القبر ملك أسبق يُرجَّح أنه أبو ميداس — الذي تسمّيه الرواية اليونانية غوردياس — وأن ميداس هو الذي بنى التلّ لا الذي دُفن فيه. ونضبط الأمانة إلى آخرها: لا نصّ ولا نقش في القبر يسمّي صاحبه، واسم «غوردياس» يأتي من الأسطورة اليونانية لا من وثيقة. فالصياغة الدقيقة: ملك بالغ مات نحو 740 ق.م. يربطه الباحثون بمن تسمّيه الرواية اليونانية غوردياس. وقد ضمّ القبر مجموعة باهرة فيها تسعة وتسعون مشبكًا وأوانٍ برونزية وأجود أثاث خشبي باقٍ من العصر الحديدي في العالم.
ويوصف هذا القبر بأنه أقدم بناء خشبي قائم معروف في العالم — والوصف صحيح بقيوده، وهي قيود يسقطها المحتوى العربي عادةً فيصير الكلام مضلِّلًا. القيد الأول أنه مدفون داخل تلّ لا قائم في الهواء الطلق. والقيد الثاني أن معنى «قائم» أن جدرانه وسقفه لم تنهر قطّ. أما أقدم بناء خشبي قائم فوق الأرض فمعبد هوريوجي في اليابان من القرن السابع الميلادي — وهو متأخر عن هذا بنحو أربعة عشر قرنًا لكنه فوق الأرض. فالادّعاءان لا يتعارضان، وإنما المشكلة في حذف الوصف. ونحذّر هنا من خطأ راهن يدور في الصحافة سنة 2026: مقالات — منها خبر مؤرَّخ في الحادي عشر من أغسطس 2026 — تصف الغرفة وأخشابها بأنها «عمرها نحو 3,200 سنة». وهذا خطأ بنحو أربعمئة وخمسين سنة: بناءٌ من نحو 740 ق.م. عمره في 2026 نحو 2,765 سنة، و«3,200 سنة» تعني نحو 1200 ق.م. — أي عصر انهيار البرونز المتأخر، قبل قيام مملكة فريجيا أصلًا. ومن ترجم تلك المقالات إلى العربية ورث الخطأ.
وتاريخ التنقيب في الموقع نفسه قصة. بدأه الأخوان الألمانيان ألفرِد وغوستاف كورتِه سنة 1900، وهما اللذان عرّفا ياسّي هويوك بأنها غورديون القديمة، ونقّبا خمسة تلال ونشرا سنة 1904. ثم جاء متحف جامعة بنسلفانيا: رودني س. يونغ من 1950 إلى 1973 في سبعة عشر موسمًا، نقّب نحو نصف تلّ القلعة ونحو ثلاثين تلًّا جنائزيًّا، وفتح التلّ الكبير سنة 1957 بخندق مكشوف ونفق. ثم كيث ديفريس، ثم كِنِث سامز مع ماري فويت التي أعادت بناء التسلسل الطبقي للموقع من البرونز المتأخر إلى الروماني، ثم س. برايان روز مديرًا للتنقيب حتى اليوم. وقد تسارعت الاكتشافات بعدما وسّعت وزارة الثقافة والسياحة التركية العمل سنة 2024 ليصير ميدانيًّا على مدار السنة بالشراكة مع أثريين أتراك. وأبرز ما أُعلن: في الحادي عشر من يونيو 2025 كُشف قبر ملكي في التلّ T-26 قرب المتحف — ارتفاعه 6.5 أمتار وقطره ستون مترًا — وتاريخ غرفته نحو 750 ق.م. أي في زمن أسرة ميداس. حدّده مسحٌ مغناطيسي أجراه الأستاذ يوجل شنيورت من جامعة أنقرة حاجي بيرام ولي، ونُقِّب بالاشتراك مع فريق روز في أربعة أشهر. والمفاجأة أنه حرقٌ لا دفنٌ للجسد — يقول روز إنه يسبق ما عُرف من حالات الحرق في غورديون بأكثر من قرن، وكان المتوقَّع أن يُدفن ملوك فريجيا في هذا العهد بأجسادهم كاملة. وفيه أوانٍ برونزية للولائم من مراجل وسلطانيات وأباريق، وأدوات حديدية، وآثار نسيج عالقة بسطوح الأواني. وقبله كُشف في التلّ T-52 دفنُ طفل دون العاشرة معه أكثر من ثلاثة آلاف خرزة كهرمان مستوردة من بحر البلطيق — شاهد على مدى تجارة غورديون البعيدة.
وإلى غورديون تُنسب العقدة الغوردية: عربة خشبية قيل إنها عربة غورديون، ونبوءة أن من يحلّ عقدتها يملك آسيا، ووصول الإسكندر الأكبر إلى المدينة سنة 333 قبل الميلاد. والمصادر القديمة تختلف فيما فعل، وهذا هو اللبّ. فـأريان في «أنابازيس» يروي — ناقلًا عن أرسطوبولوس وكان في حملة الإسكندر نفسها — أن الإسكندر نزع مسمار العارضة الذي يثبّت النِّير في عمود العربة فانحلّت أطراف الحبل وفُكّت العقدة بلا قطع. وبلوتارخس في ترجمة الإسكندر ينتقد رواية السيف صراحةً بوصفها الرواية الشائعة، وينقل رواية أرسطوبولوس. وفي المقابل يروي كوينتوس كورتيوس روفوس ويوستينوس أنه قطعها بسيفه. والحبل — بحسب أريان — من لحاء القرانيا. ويرى كثير من الدارسين أن رواية المسمار أرجح. وفي هذا مفارقة تستحقّ أن تُقال بالعربية: المثل الذي دخل لغات العالم — «قطع العقدة الغوردية» — مبنيّ على أضعف الروايتين سندًا. ونضيف ما لا يُقال: لم تُستخرَج عربة ولا عقدة من الموقع قطّ؛ هذه رواية أدبية عُلّقت على مكان حقيقي. (وقد ربط جانبٌ من التفسير الإسلامي القديم بين الإسكندر وذي القرنين المذكور في القرآن، وهو ربطٌ اختلف فيه المفسّرون قديمًا وردّه كثير من المحدثين ورجّحوا شخصية أخرى — فنذكر الخلاف ولا نرجّح فيه شيئًا.)
وأما ميداس نفسه فبين تاريخ وأسطورة. التاريخيّ منه أن «ميتا ملك المشكي» يظهر في السجلات الآشورية سنة 717 وسنة 709 وفي سبعينيات القرن السابع: يقود سنة 717 تحالفًا يقوّض النفوذ الآشوري في جنوب الأناضول، ويحرّض ممالك آشور التابعة على الثورة على سرجون الثاني، ثم يصالح آشور سنة 709. أما الأسطوريّ فقصّتا لمسة الذهب — منحه إياها ديونيسوس جزاءَ إكرامه سيلينوس — وأذنَي الحمار؛ وهما حكايتان يونانيتان عن ملك فريجيّ نُسجتا بعده بقرون، تحدّثاننا عن نظرة اليونان إلى ثراء فريجيا أكثر مما تحدّثاننا عن الرجل الذي في الألواح الآشورية. وثمة خلاف علميّ ثالث ينبغي أن يُروى بوجهيه: طبقة الدمار في غورديون. الرأي القديم — وهو إطار رودني يونغ ومنه كل الكتب والأدلة القديمة — يؤرّخها نحو 700 ق.م. وينسبها إلى غزو الكيمريين، استنادًا إلى خبر عند سترابون وإلى شهادة آشور على ميداس؛ ولا يزال أوسكار وايت موسكاريلا يدافع عن هذا التاريخ بقوة. والرأي الآخر جاء من مختبر: في يناير 2001 أجرى بِرند كرومِر قياسات كربون مشعّ على خمس عيّنات بذور من طبقة الدمار استخرجتها ماري فويت من «مبنى المصطبة 2A» في موسمَي 1988–1989 وقدّمها كونيهولم، فجاءت النتيجة بين 821 و807 قبل الميلاد، ونُشر الاقتراح سنة 2003. ومؤدّاه أن الدمار وقع قبل جلوس ميداس بنحو قرن، فلا يمكن أن يكون الكيمريين، بل حريق عارض لم تسجّله المصادر. وهذا اليوم موقف بعثة بنسلفانيا نفسها، لكنه ليس إجماعًا — ومن الأمانة أن يُقال ذلك ويُسمّى المخالف.
وما الذي يراه الزائر فعلًا؟ أربعة أشياء: تلّ القلعة وقد نُقّب نحو نصفه فصار انكشافًا أثريًّا واسعًا من عمارة اللبِن والحجر ومباني المصاطب وقاعات الميغارون؛ والبوابة الأثرية المحفوظة إلى ارتفاع يزيد على تسعة أمتار وتوصف بأنها بوابة حجرية أثرية شبه كاملة من القرن التاسع قبل الميلاد (والأدبيات الأقدم تقول الثامن، والتاسع أوفق للتأريخ المعدَّل)؛ وحقل التلال الجنائزية على السهل يتقدّمها التلّ الكبير؛ ومتحف غورديون المؤسَّس سنة 1963 وفيه فخار فريجي ومراجل برونزية وأدوات حديدية وأدوات نسيج وخرز زجاجي وأختام ونقود، ومعروض لقبر غلاطي، وفسيفساء رومانية من القرن الثالث الميلادي بزخارف حيوانية وُجدت في القرية، وفي حديقته فسيفساء حصويّة من القرن التاسع قبل الميلاد يوصف بأنه أقدم أرضية فسيفساء معروفة في العالم — ونذكره وصفًا في مصادر سياحية لم نجد له سندًا أكاديميًّا. وتنبيه عمليّ يغفله كل دليل عربي: أجود ما خرج من غورديون ليس في غورديون. الأثاث الخشبي من التلّ الكبير وأرفع المعادن معروضة في متحف حضارات الأناضول في وسط أنقرة. فمن جاء إلى الموقع يطلب الكنوز خرج خائبًا، والصواب أن يُزار الاثنان.
كيف أصل؟
مواعيد الزيارة
الدخول والتذاكر
أفضل موسم
يهمّك أن تعرف
ليس قبر ميداس — ولا هو «في أنقرة»
أقدم بناء خشبي قائم معروف في العالم — بقيوده
قبر ملكي جديد كُشف سنة 2025 — وكان حرقًا
أجود ما خرج من غورديون ليس في غورديون
الموقع على الخريطة
الاتجاهات إلى مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو) في خرائط جوجلمن تجارب الزوار
التجربة التي لا تُنسى هنا هي النفق. حين فتح رودني يونغ التلّ الكبير سنة 1957 حفر إليه نفقًا طوله نحو سبعين إلى ثمانين مترًا — حفره عمّال مناجم فحم جيء بهم من زونغولداك على البحر الأسود — فتمشي اليوم في بطن تلّ ارتفاعه ثلاثة وخمسون مترًا بين لوحات شارحة، حتى تقف أمام الغرفة الخشبية من خلف شبكة حديدية وترى جذوع العرعر عن قرب. أن تنظر إلى خشب قُطع نحو سنة 740 قبل الميلاد وما زال في موضعه الذي وُضع فيه — هذا هو الموقع كلّه في لحظة واحدة. ثم اصعد إلى تلّ القلعة حيث نُقّب نحو نصفه، وقف عند البوابة الأثرية المحفوظة إلى ما فوق تسعة أمتار: هي أكمل بوابة حجرية فريجية باقية، ومنها كان يُدخل إلى المدينة التي جاءها الإسكندر سنة 333 قبل الميلاد.
ثم اجعل من هذه الزيارة سلسلة لا محطة. فالتلال الجنائزية التي تراها هنا ليست غريبة عن أنقرة نفسها: تلّة راصات تبه التي يقوم عليها ضريح أتاتورك (أنيت كابير) كانت تحمل تلالًا جنائزية فريجية، حُفرت أثريًّا ورُفعت قبل البناء ونُقلت لُقاها إلى متحف حضارات الأناضول حيث تُعرض. فمن زار أنيت كابير صباحًا والمتحف عصرًا يكون قد التقى الفريجيين قبل أن يصل إلى غورديون أصلًا — وهي حلقة كاملة قلّ من نبّه إليها. ومن أراد أن يزيد فليتأمّل كيبيلي، الأم الجبلية «ماتار كوبيليا» عند الفريجيين، وهي إلهتهم المعروفة الوحيدة وربما إلهة الدولة، وكانت غورديون من أهمّ مراكز عبادتها؛ وفي فريجيا الوسطى — في غورديون وأنقرة تحديدًا — يكثر أن يصحبها صقر أو باشق كما في نقش وُجد في أنقرة. ومن هذه الأناضول انتقلت عبادتها إلى مستعمرات اليونان في آسيا الصغرى من نحو القرن السادس قبل الميلاد ثم إلى اليونان وروما: ديانة أناضولية فتحت المتوسط.
آخر تحديث لهذه الصفحة: 2026-08-21 — نراجع المعلومات دوريًا، والأسعار والمواعيد قد تتغير؛ تأكد منها قبل زيارتك.
المصادر الرسمية: www.penn.museum، www.penn.museum، whc.unesco.org، www.mfa.gov.tr، www.cambridge.org، www.metmuseum.org، www.livius.org، turkisharchaeonews.net
أسئلة شائعة عن مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو)
هل ميداس مدفون فعلًا في التلّ الكبير؟
هل يمكن الدخول إلى داخل التلّ؟
كيف أصل إليها من أنقرة بلا سيارة؟
أين كنوز غورديون الشهيرة — الأثاث الخشبي والبرونزيات؟
هل قطع الإسكندر العقدة الغوردية بسيفه؟
تريد زيارة مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو) ضمن برنامج كامل؟
جولاتنا في أنقرة تشمل المواصلات والمرشد العربي — اسأل فريقنا.
