تُركاياواتساب مباشر
بانوراما أنقرة

دليل أنقرة

Ankara

الصورة: Tolga Bakı — CC BY 4.0، ويكيميديا كومنز

6الأناضول الوسطىمحافظة داخلية

21

معلم وشاطئ موثَّق

9

أكلة مشهورة

8

سوق ومول

6

خط نقل عام

أنقرة عاصمة الجمهورية التركية وثاني أكبر مدنها بعد إسطنبول، تقع في قلب هضبة الأناضول الوسطى وتضمّ نحو ستة ملايين نسمة موزّعة على 25 قضاءً. هي مركز الدولة السياسي والإداري: مقرّ الرئاسة والبرلمان والوزارات والسفارات، وعاصمة الجامعات والبحث والصناعات الدفاعية والتقنية، وتُسهم بنحو تسعة بالمئة من الناتج المحلي التركي. تنقسم روحها بين مدينتها القديمة حول القلعة في أولوس، حيث متحف حضارات الأناضول من أرقى متاحف العالم ومعبد أوغسطس والحمّامات الرومانية وعمود يوليان وجوامع خشبية سلجوقية، وبين قلبها الحديث في كيزيلاي وتشانكايا بجادّاته الفسيحة ومقاهيه وأحيائه الدبلوماسية. رمزها الأول ضريح أتاتورك (أنيت كابير) مقصد كلّ زائر. وتنتشر فيها الحدائق والبحيرات (موغان وإيمير)، وتُتيح رحلات يوم إلى بلدة بيبازاري العثمانية وموقع غوردیون المدرَج في اليونسكو. للسائح العربي مدينة عملية أهدأ من إسطنبول، سهلة التنقّل بمترو وأنكاراي، وطعامها الحلال والمساجد فيها وفيرة. مناخها قارّيّ: صيف حارّ جافّ وشتاء بارد ثلجيّ أحيانًا، والربيع والخريف ألطف مواسم الزيارة.

قبل أن تسافر إلى أنقرة

أفضل موسم للزيارة

أبريل–يونيو وسبتمبر–أكتوبر؛ الشتاء بارد وقد يُثلج

كم يومًا تحتاج؟

يومان للمدينة، وثالث لبيبازاري أو غورديون

أقرب مطار

مطار إسنبوغا الدولي (ESB) شمال شرق المدينة — لا يصله المترو

الوصول من إسطنبول

قطار YHT فائق السرعة من إسطنبول في نحو 4–4.5 ساعات، أو رحلة جوية إلى إسنبوغا

تناسب من؟

محبّي المتاحف والتاريخ ومن يريد مدينة أهدأ من إسطنبول

مع الأطفال

مناسبة — مترو سهل وحدائق وبحيرتان قريبتان جنوب المدينة

على ماذا تقوم المحافظة؟

عاصمة إدارية وخدمية: حكومة وسفارات وجامعات، مع صناعات دفاع وتقنية وتجارة، وسياحة ثقافية.

المناطق الصناعية في أنقرة

أهم المدن والمناطق

غولباشيGölbaşı

قضاء يبعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب مركز أنقرة، ومتنفّس الأهالي في العطلات. يتوسّطه بحيرتا موغان (Mogan) وإيمير (Eymir) المتّصلتان، بمساراتهما للمشي والدرّاجات ومطاعم السمك المطلّة على الماء والمنتزهات العائلية. وجهة قريبة وسهلة لنزهة نصف يوم بين الطبيعة والهواء الطلق بعيداً عن زحام المدينة.

ألتينداغAltındağ

قلب أنقرة التاريخي ونواتها الأولى؛ هنا قلعة أنقرة على تلّها وأزقّتها الحجرية، وحيّ حماملي أونو (Hamamönü) العثماني المُرمَّم بمنازله الخشبية ومقاهيه، وجامع وضريح حاجي بيرم ولي أهمّ مزارات المدينة الروحية. في نطاقه أيضاً متحف حضارات الأناضول الشهير عالمياً ومتحف الإثنوغرافيا ومنطقة أولوس التاريخية. منطقة تُقضى مشياً بين التاريخ والمتاحف والأسواق العتيقة القريبة من القلعة، وهي الوجهة الأولى لمن يريد أنقرة القديمة.

تشانكاياÇankaya

الوجه الحديث للعاصمة ومركزها النابض؛ يضمّ ضريح أتاتورك (آنيتكابير) أهمّ معالم أنقرة الوطنية، وساحة كيزيلاي التجارية، وبرج أتاكولة بمنصّته البانورامية، وجامع كوجاتبه الكبير، وحديقة كوغولو والمنتزهات الخضراء. هنا الأحياء الراقية والسفارات والفنادق والمطاعم ومراكز التسوّق الفاخرة. القاعدة العملية للإقامة والتسوّق والحياة العصرية في المدينة.

بيبازاريBeypazarı

بلدة عثمانية ساحرة تبعد نحو مئة كيلومتر غرب أنقرة، وأشهر رحلة نهارية من العاصمة. تشتهر بمنازلها التاريخية ذات الطابقين والثلاثة بواجهاتها الخشبية المرمَّمة، وبصناعة الفضّة اليدوية، وبمذاقها المطبخي الفريد: البقلاوة ذات الثمانين طبقة، والبسكويت الجافّ (كوروسو)، وحلوى الجزر. قربها وادي إنوزو الطبيعي بمساراته. يوم كامل بين الأزقّة الحجرية وروائح الحلوى وورش الحرفيين.

بولاتليPolatlı

قضاء غربي أنقرة يحتضن مدينة غورديون الأثرية (Gordion)، عاصمة الفريجيين القديمة وموطن أسطورة الملك ميداس والعقدة الغوردية. أُدرجت غورديون على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2023، وتضمّ تلالاً جنائزية ضخمة ومتحفاً وأقدم مبنى خشبي قائم في العالم. القضاء أيضاً ساحة معركة ساكاريا الفاصلة في حرب الاستقلال بنُصبها التذكاري في دواتبه. وجهة رحلة يوم لعشّاق التاريخ العميق.

كيزيلجاهامامKızılcahamam

قضاء جبلي أخضر شمال أنقرة على بُعد نحو 80 كيلومتراً، ومقصد سياحة الطبيعة والاستشفاء بامتياز. يضمّ منتزه صوغوقصو الوطني (Soğuksu) بغاباته الصنوبرية وجداوله وممرّاته، وينابيعه الحارّة المعدنية المعروفة منذ العهد الروماني والتي تقوم عليها منتجعات حرارية عديدة. مناخه اللطيف صيفاً وطبيعته تجعلانه ملاذاً للعائلات الباحثة عن الهواء النقي والمياه الدافئة قرب العاصمة.

هايماناHaymana

قضاء جنوب غرب أنقرة يُعدّ من أقدم مراكز الاستشفاء الحراري في تركيا، تعود ينابيعه الحارّة إلى العهد الروماني. مياهه المعدنية الغنية بالصوديوم والبيكربونات تبلغ حرارتها بين 41 و44 درجة، وتُقصد لتخفيف الآلام الروماتيزمية وأمراض الجلد والدورة الدموية. تحيط به آثار طبقات حضارية متعاقبة، وهو خيار لمن يبحث عن الراحة والعلاج الطبيعي بعيداً عن المركز.

ناللي هانNallıhan

قضاء أقصى غرب أنقرة على درب طريق الحرير القديم وحوض نهر ساكاريا. أشهر معالمه محمية طيور ناللي هان (Kuş Cenneti) التي تأوي أكثر من 170 نوعاً من الطيور المهاجرة والمقيمة، والتلال الملوّنة (تلال قوس قزح) الفريدة بطبقاتها الصفراء والحمراء والبنّية التي تشكّلت قبل نحو عشرة ملايين عام. جنّة مصوّري الطبيعة عند الشروق والغروب، ووجهة رحلة يوم لعشّاق الطيور والمناظر الاستثنائية.

أبرز المعالم

برج أتاكولةمعلم

برج أتاكولة

أتاكولة برج المراقبة والاتصالات في حيّ تشانقايا بأنقرة، وأشهر معلم حديث في المدينة. ارتفاعه 125 مترًا، صمّمه المعماري رجب بولوتش، وبُني بين سنتَي 1987 و1989 وافتُتح في الثالث عشر من أكتوبر سنة 1989 على يد تورغوت أوزال. ويقع على رأس جادة تشانقايا فوق «حديقة النبات» مباشرةً، على نحو أربعة كيلومترات ونصف من ميدان كيزيلاي. وقد افتُتح معه في اليوم نفسه مركز تجاري باسم «أتريوم» يوصف بأنه أول مركز تجاري حديث في أنقرة والثاني في تركيا بعد «غاليريا» بإسطنبول — وهو وصف ننسبه إلى قائله. وهنا أهمّ تصحيح في هذه الصفحة، وهو خطأ يتكرّر في كل المحتوى العربي تقريبًا: يُقال إن أتاكولة «أُعيد افتتاحه بعد التجديد سنة 2018». والصواب أنهما حدثان منفصلان بينهما أربع سنوات. المركز التجاري في القاعدة هُدم وأُعيد بناؤه من الصفر — لا رُمّم — وافتُتح في التاسع والعشرين من أكتوبر سنة 2018. أما البرج نفسه فظلّ مغلقًا حتى التاسع عشر من مايو سنة 2022 حين أُعيد فتحه للزوّار. فمن قرأ أن البرج فُتح سنة 2018 أو 2019 فقد قرأ خطأ. وقد أُعيد بناء البرج على صورته الأصلية مع الإبقاء على خاصيّته الدوّارة، وصار فيه أربعة نطاقات: مقهى، وشرفة مراقبة، ومنصّة مطعم دوّارة، ومطعم تحت القبّة. وثاني تصحيح لا يقلّ أهمية: يشيع أن في أتاكولة أرضية زجاجية أو ممشى زجاجيًّا يمشي عليه الزائر معلَّقًا فوق المدينة — ولم نجد لذلك مصدرًا واحدًا، لا في وكالة الأناضول ولا في الصحافة التركية ولا في الموقع الرسمي للبرج، وكلها تصف الشرفة بلا أيّ ذكر لزجاج. والأرجح عندنا أن الخلط واقع مع برج تشامليجا بإسطنبول الذي فيه تجربة مشاهدة زجاجية فعلًا ويسيطر على نتائج البحث. أما الموجود في أتاكولة فشيء آخر: شرفة مراقبة مكشوفة بزاوية 360 درجة على ارتفاع 125 مترًا يُصعد إليها بمصعدين بانوراميين لعشرة أشخاص في نحو خمس وثلاثين ثانية؛ ونظّارات واقع افتراضي تجعلك «تطير» فوق حديقة النبات وقلعة أنقرة وأنيت كابير؛ ومنصّة محاكاة توازن تمشي فيها على ممرّ افتراضي في الهواء نحو البرج دون أن تقع — وهذه بالذات هي على الأرجح أصل حكاية «الممشى الزجاجي». ومعها «شرفة عشب» ومحاكاة قفز ضمن التذكرة. والمطعم الدوّار ما زال يدور فعلًا — وهذا سؤال يتكرر. المنصّة الدوّارة على ارتفاع نحو 111.8 مترًا تُتمّ دورة كاملة في نحو ساعة، ويشغلها اليوم مطعم «ناكيا» للمطبخ التركي مع ركن سوشي. وننبّه إلى أن أسماء «سيفيّا» و«دوم» و«UFO» التي تجدها في الأدلة أسماء قديمة لم تعد قائمة؛ ومطاعم البرج والمجمّع اليوم بحسب الموقع الرسمي: ناكيا، وفابيان، ولويجي، وسكالوب. وماذا ترى من فوق؟ إطلالة دائرية على أنقرة كلها: حديقة النبات تحتك مباشرة، وقلعة أنقرة وأنيت كابير في المدى — وننبّه إلى أن أنيت كابير على نحو خمسة كيلومترات عبر المدينة، فهو يُرى في يوم صافٍ ولا يُوعَد به. وبين هذا وذاك امتداد كيزيلاي وعمارات تشانقايا بلا نهاية. ومن طرائف المكان أن الصحافة المحلية تنقل أن نحو خمسة عروض زواج تُقدَّم فوقه كل يوم على ارتفاع مئة وخمسة وعشرين مترًا. وحكمنا الصريح إن ضاق وقتك في أنقرة واضطررت إلى الاختيار بين إطلالة واحدة: خذ قلعة أنقرة. القلعة مجانية وقديمة وتطلّ على أولوس بسطوحها الحمراء وأزقّتها، وشخصيّتها لا تُنافَس. أما أتاكولة فيتفوّق في ثلاثة: الارتفاع، والراحة — مصعد بدل صعود شاقّ بلا درابزين — والغروب. وهو يستحقّ تذكرته إن أردت أن تقرأ المدينة الحديثة كلّها دفعةً واحدة، أو أردت عشاءً يدور، أو كنت مع أطفال فألعاب الواقع الافتراضي والتوازن موجّهة إليهم. ولنكن منصفين في مسألة المال: القلعة مجانية والبرج بتذكرة ليست رخيصة — والفرق لأسرة من أربعة أفراد فرق حقيقيّ.

لا توجد محطة مترو عند أتاكولة — وهذه أول ما يجب أن يعرفه الزائر. أقرب محطة كيزيلاي، وبينها وبين البرج نحو أربعة كيلومترات ونصف، فتُكمل بالحافلة أو الدولموش أو التاكسي. (وننبّه إلى ادّعاء في أحد المواقع بأن البرج على «سبع دقائق مشيًا من كيزيلاي» — وهو باطل ويناقض رقم 4.5 كم في الصفحة نفسها.) ومن خطوط الحافلات المارّة قريبًا: 254 و261 و279 و334 و474 و751 و754، والخط 413 ينطلق من كيزيلاي. وأرخص الطرق وأكثرها محليّة الدولموش: من «غوفن بارك» في كيزيلاي اركب دولموش باتجاه آيرانجي أو يلديز أو أوران، وقل للسائق «أتاكولة». وللبرج مواقف سيارات مغطّاة مدخلها على جادة تشانقايا.

موسم السباحة: الشرفة مكشوفة، فالربيع والخريف ألطف؛ وشتاء أنقرة قارس وريحه على ارتفاع 125 مترًا أقسى مما تتوقّع، فخذ معطفًا حتى في يوم يبدو معتدلًا في الشارع. وصيفها حارّ جافّ لكن المساء لطيف. وأفضل توقيت في كل المواسم هو ما قبل الغروب. وتذكّر أن وضوح الرؤية يتبع صفاء الجوّ لا الفصل: في يوم مغبّر أو ضبابي لن ترى أنيت كابير مهما دفعت.

جامع كوجه تبهمسجد

جامع كوجه تبه

جامع كوجه تبه أكبر جوامع أنقرة وأشهر معالمها الدينية، يقوم على تلّة جنوب شرق ميدان كيزيلاي فتُرى مآذنه الأربع من وسط المدينة كله. وأول ما يجب تصحيحه أنه ليس جامعًا عثمانيًّا كما يظنّ كثير من الزوّار وكما يكرّر محتوى عربي غير قليل: هو مبنى من الخرسانة المسلّحة افتُتح في الثامن والعشرين من أغسطس سنة 1987 على يد رئيس الوزراء تورغوت أوزال — أي أنه أحدث سنًّا من أكثر زائريه. أسلوبه عثماني كلاسيكيّ مقصود، وفَبْرِكته خرسانة القرن العشرين. وقصّة بنائه هي أهمّ ما فيه، وهي قصّة أربعة وأربعين سنة من الجدل لا عشرين سنة من البناء. تأسّست سنة 1944 جمعية لبناء جامع في «يني شهير» بأنقرة برئاسة أحمد حمدي أكسكي — نائب رئيس الشؤون الدينية ثم رئيسها — ومعه اثنان وسبعون عضوًا مؤسّسًا. وأُعلنت مسابقة أولى سنة 1947 فانتهت بلا قرار ولم يُقبل أيّ مشروع. ثم خصّص رئيس الوزراء عدنان مندريس أرض كوجه تبه سنة 1956، وأُعلنت مسابقة ثانية سنة 1957 على مرحلتين تقدّم إليها ستة وثلاثون مشروعًا، ففاز تصميم حديث جذريّ للمعماري وَدَاد دالوكاي وشريكه تكلي أوغلو، قائم على نظام القشرة الخرسانية الرقيقة. ووُضع أساسه سنة 1963 وأُنجزت مبانيه الإدارية سنة 1964 — ثم هُجر المشروع عند مستوى الأساسات سنة 1965 أو 1966. ولماذا هُجر؟ لسببين تذكرهما دائرة المعارف الإسلامية التركية والمصادر التركية معًا، وأولهما تقنيّ يكاد يغيب عن كل ما كُتب بالعربية: نظام القشرة الرقيقة كان جديدًا جدًّا على تركيا، ثم انهارت صالة رياضية في أنقرة بُنيت بالنظام نفسه — فذهبت الثقة بالتصميم. والسبب الثاني عقائديّ جماليّ: هجوم محافظ واسع على الشكل الحداثي، ورأيٌ عريض بأن جامع العاصمة الأول يجب أن ينطق عثمانيًّا؛ ويصف المصدر التركي الاعتراض بأنه كان «حديثًا أكثر من اللازم». ويُضاف سبب ثالث بنيويّ: الجامع بُني بتبرعات جمعية أهلية لا من ميزانية الدولة، فكان تقدّمه يتبع تدفّق التبرعات — والدليل أن العمل تسارع فعلًا بعد سنة 1981 حين حُلّت الجمعية ونُقلت أصولها إلى وقف الديانة التركي. (ويُذكر في الروايات الشائعة أن انقلاب السابع والعشرين من مايو 1960 وإعدام مندريس سنة 1961 أطاح براعي المشروع السياسي فعطّله؛ ونذكره سياقًا لا سببًا موثّقًا لأن المصدر المرجعي لا ينصّ عليه.) ولتصميم دالوكاي المرفوض آخرةٌ تستحقّ أن يعرفها القارئ العربي والمسلم: أعاد دالوكاي صياغته وبناه في إسلام آباد بباكستان جامعًا للملك فيصل بعد فوزه بمسابقته سنة 1969. أي أن أنقرة رفضت تصميمًا صار من أشهر مساجد العالم الإسلامي. ثم أُعلنت مسابقة ثالثة سنة 1967 ففاز المعماريان خُسرو تايلا وم. فاتن أولوإنغين بمشروع عثماني كلاسيكي جديد، ووُضع الأساس الجديد في الثلاثين من أكتوبر 1967. وفي سنة 1975 انسحب أولوإنغين من المشروع فأكمله تايلا وحده — وهي تفصيلة تكاد تغيب عن كل المحتوى السياحي. واكتمل الهيكل الخشن سنة 1981، وافتُتح الجامع سنة 1987. وقد دار حول الجامع سجال معماريّ حقيقيّ ينبغي أن يُروى بوجهيه لا بوجه واحد. رأى النقّاد أنه «تقليد» محض: عمارة تنسخ سنان بلا ابتكار، وقد حُملت هذه المعركة في مجلة «ميمارلق» لسان غرفة المعماريين الأتراك. وأشهر معالجة أكاديمية لها للباحث بولنت باتومان في بحثه «المحاكاة المعمارية وسياسة بناء المساجد» المنشور في «مجلة العمارة» سنة 2016، وفيه يقرأ هذا النمط بوصفه «محاكاة معمارية» ناتجة عن تفاوض بين الدولة القومية والخطاب المحافظ، وأن جاذبيته قائمة على الحنين لا على الابتكار. ورأى المدافعون أنها استمرار لا نسخ، والصياغة الرسمية في موقع قائمقامية تشانقايا: «جماليات القرن السادس عشر بتقنية القرن العشرين». وثمة معطى تقنيّ يفصل في جوهر الخلاف: رفّع تايلا أقطار الدعامات الحاملة إلى 3.10 أمتار، بينما جامع من القرن السادس عشر بهذا البحر كان سيحتاج نحو خمسة أمتار — وإنما استطاع ذلك لأن الخرسانة أتاحته. فهو إذن شكل عثماني على بنية حديثة، وهو بالضبط ما يتنازع عليه الطرفان. وأرقامه الرسمية: قطر القبة المركزية 25.5 مترًا، وارتفاعها 48.5 مترًا بحسب قائمقامية تشانقايا بينما تعطي دائرة المعارف الإسلامية التركية ارتفاعًا داخليًّا 44.85 مترًا (والأرجح أن الأول ارتفاع إنشائي كلّي والثاني ارتفاع التاج من الداخل). وأربع مآذن ارتفاع كلٍّ منها 88 مترًا بثلاث شُرَف — وهذا أوثق أرقام المبنى. والمحراب عشرة أمتار من الرخام الأبيض، والمنبر 8.7 أمتار. والصحن 57 في 38 مترًا وفيه ستّ وعشرون قبة على ارتفاع أربعة عشر مترًا. وقبة مركزية على أربع دعامات مع أربعة أنصاف قباب، ومَحافل من طابقين يُصعد إليها بستّة سلالم داخلية، وخمسة مداخل رئيسة، وفي المآذن مصاعد إلى جانب الدرج. أما السعة فيتردد لها رقم 24,000 مصلٍّ في كل مكان تقريبًا، ولم نجد له وثيقة أولية من الديانة أو دائرة المعارف — فنذكره رقمًا متداولًا لا مُدقَّقًا. وهنا التصحيح الأكبر: يُقال عن كوجه تبه إنه «أكبر جامع في تركيا»، وهذا لم يعد صحيحًا منذ السابع من مارس سنة 2019 حين افتُتح جامع تشامليجا الكبير في أُسكُدار بإسطنبول بسعة ثلاثة وستين ألفًا وستّ مآذن أعلاها 107.1 مترًا وقبة بارتفاع اثنين وسبعين مترًا — ووصفته وكالة الأناضول الرسمية بأنه الأكبر في تاريخ الجمهورية التركية. أي أن تشامليجا يستوعب نحو ضعفَي ونصف ما يستوعبه كوجه تبه. والصواب أن يقال: أكبر جامع في أنقرة. ولا نُسند إليه مرتبةً عددية في تركيا كلها (ثالثًا أو غيره) لأننا لم نجد قائمة مرتّبة موثوقة. ومن غرائبه التي يسأل عنها الزوّار: تحت الجامع مجمّع تجاري ومواقف سيارات. وهذا من التصميم الأصلي لا إضافة لاحقة: فقد رُفع حرم الصلاة على قاعدة، ووُضع تحتها قاعة مؤتمرات ومكتبة وغُسلخانة ومواقف سيارات ومركز تجاري كبير ومكاتب إدارية — بنصّ دائرة المعارف الإسلامية التركية. وللمركز التجاري مداخله من الشارع فيُدخل إليه ويُتسوَّق فيه دون دخول الجامع أصلًا. وقد شغله من سنة 1993 متجر «بَيَنديك» الكبير، ويُذكر أنه أُغلق سنة 2016 حين وُضعت المجموعة تحت إدارة وصيّ — ولم نستطع تحديد من يشغل المساحة التجارية اليوم فلا نسمّي متجرًا، والمواقف ما تزال عاملة وبأجر. و«سوق تحت جامع» جدل تركيّ قائم منذ عقود: يعترض معترضون على التجارة تحت بيت الله، ويردّ آخرون بمنطق الوقف والكُلّية العثمانية نفسه — دكاكين مؤجَّرة تموّل صيانة المجمّع الديني، تمامًا كما في كلّيات سنان، إلا أن كوجه تبه رصّها رأسيًّا حيث بسطها السليمانية أفقيًّا. ونعرض الحجّتين ولا نفتي.

الجامع جنوب شرق ميدان كيزيلاي مركز أنقرة، ومحطة مترو كيزيلاي هي أكبر تقاطع في الشبكة. والمسافة من مخرج المحطة نحو ثمانمئة متر إلى كيلومتر، أي عشر إلى خمس عشرة دقيقة مشيًا صعودًا — والمآذن تُرى من المخرج فلا تحتاج خريطة. وتحذير من رقم خاطئ: يعطي أحد تطبيقات النقل مسافة تزيد على ثلاثة كيلومترات وتسعًا وثلاثين دقيقة، وهو رقم شاذّ لا يُلتفت إليه. وتقف الحافلات والتاكسي قربه، وتحت المجمّع مواقف سيارات بأجر. ويكفي الجامع من الوقت ثلاثون إلى خمس وأربعون دقيقة للصحن والداخل والصور.

موسم السباحة: الزيارة صالحة في كل الفصول لأن الجامع مغلق ومكيَّف، وهو مقصد جيد في يوم مطير أو شديد البرودة في أنقرة. وأجمل ما يُرى من الخارج في أول المساء حين تُضاء المآذن. وموسم الذروة رمضان وليالي القدر والعيدان، وهي أجمل ما يُرى فيه من حيث الحياة وأصعب ما يُزار فيه من حيث الزحام. وننصح بضمّه إلى جولة كيزيلاي مشيًا، فهو أقرب معلم كبير إلى وسط المدينة.

بحيرة موغان (غولباشي)طبيعة

بحيرة موغان (غولباشي)

بحيرة موغان في قضاء غول باشي على نحو خمسة وعشرين كيلومترًا جنوب وسط أنقرة، وهي أشهر متنفّس مائي عامّ في محيط العاصمة. متوسط مساحتها خمسة كيلومترات مربعة، وطولها نحو خمسة كيلومترات في عرض كيلومتر، وأعمق نقطة فيها نحو مترين ونصف فقط — فهي بحيرة ضحلة عذبة غنية بالمغذّيات، كثيفة النبات المتجذّر في قاعها، تكوّنت في حوض طبيعي خلف حواجز رسوبية. وفيها من الأسماك الكارب بنوعيه والسلّور والبربوني والكارب الفضّي وجراد الماء. وأهمّ ما يميّزها قانونيًّا أنها ليست حديقة عامة فحسب بل منطقة حماية بيئية خاصة: فقد أُعلنت البحيرة وأراضيها الرطبة «منطقة غول باشي للحماية البيئية الخاصة» بقرار مجلس الوزراء رقم 90/1117 الصادر في الثاني والعشرين من أكتوبر سنة 1990. ورُشِّحت ضمن الأراضي الرطبة المهمّة للطيور في تركيا لإدراجها في اتفاقية رامسار. فمن جاءها بوصفها متنزّهًا فقد أصاب نصف الصورة؛ وهي في النصف الآخر موئل طيور محميّ. وأجمل ما يُطلَب فيها الطيور — وفيها ما يفاجئ الزائر العربي: طيور الفلامنغو تصل موغان وأحواض غول باشي المحيطة في مواسم الهجرة، وأظهرها في الربيع نحو مايو، وتستقرّ في مناطق القصب والمستنقعات، وأشهر مواضعها حول قرية غوكتشه أورن ومنطقة سِتْ باشي — وقد وثّقت بلدية أنقرة الكبرى ذلك بصورها. وفي أعداد الأنواع اختلاف بيّن: بلدية غول باشي الرسمية تذكر أربعين نوعًا متكاثرًا منها ثلاثون مقيمة طوال السنة إلى جانب الزائرات المهاجرات، بينما تذكر مصادر صحفية أن مئتين وستة وعشرين نوعًا رُصدت فيها، وتذكر أخرى «أكثر من مئة وخمسين». والأرجح أن الأرقام تقيس أشياء مختلفة — المتكاثر مقابل ما رُصد على مدى السنين — فالأسلم أن يقال نحو أربعين نوعًا متكاثرًا وما يزيد على مئتين رُصدت إجمالًا. وفي المنطقة كذلك مستعمرة للعُوَيسق الصغير تهدّدها إزالة أشجار الحور حول البحيرة بحسب «جمعية الطبيعة» التركية. وعلى شاطئها الملاصق لطريق حيمانة ممشى خشبيّ ورمليّ بطول نحو أربعة كيلومترات فيه ثلاث شرفات مراقبة وأربعمئة مقعد، ويمتدّ منه نحو كيلومترين آخرين باتجاه مناطق الشواء. وحولها متنزّه موغان بمرافقه: مقهى على الشاطئ، وقوارب نزهة، ومطاعم، وملاعب أطفال، ومناطق نزهة وشواء، ومسارات درّاجات مع خدمة تأجير. والدخول مجانيّ تمامًا منذ سنة 2020 للقادمين بسياراتهم وللمشاة معًا — وهذا فارق جوهري عن بحيرة إيمير المجاورة التي تُقيَّد فيها السيارة ببطاقة. وتعلن بلدية غول باشي عن حملات تنظيف متصلة، آخرها معالجة تراكم المخاط المائي «الميوسيلاج»، وتقول إن البحيرة «عادت إلى هيئتها السابقة» — ونذكرها تقييمَ البلدية لعملها هي. وثمة علاقة بين البحيرتين قلّ من يعرفها وهي أطرف مما يُظنّ: موغان وإيمير متّصلتان مائيًّا عبر منطقة انتقال على نحو كيلومترين جنوب موغان، بفارق ارتفاع نحو خمسة أمتار، والجريان يتّجه شمالًا شرقًا من موغان إلى إيمير. وثمانية وتسعون بالمئة من واردات إيمير المائية تأتي من موغان. أي أن موغان هي الأمّ لا الأخت: جودة مائها تحدّد مباشرةً جودة ماء إيمير. ومن هنا فإن كل حملة تنظيف في موغان هي في حقيقتها حملة لبحيرتين لا واحدة. وننبّه إلى أمرين قبل أن تخطّط. الأول أن السباحة ممنوعة في موغان، وضحالتها التي لا تتجاوز مترين ونصف مع كثافة النبات المتجذّر تجعلها خطرة لا مغرية — فهي بحيرة للمشي على ضفّتها والتجديف فوقها ومشاهدة طيرها، لا للسباحة فيها. والثاني أننا بحثنا عن مهرجان سنوي لموغان أو غول باشي فلم نجد ما يؤكّد وجود مهرجان قائم باسم معلوم لسنتَي 2025 و2026، فلا نَعِد بواحد — وإن رأيت في دليل ما ذكرًا لمهرجان فتحقّق منه قبل أن تبني عليه سفرًا.

البحيرة في قضاء غول باشي على نحو خمسة وعشرين كيلومترًا جنوب وسط أنقرة على طريق حيمانة، والوصول بالسيارة مباشر والدخول بها مجانيّ — وهذه أسهل بحيرات أنقرة وصولًا. وتخدم القضاء حافلات من العاصمة. ويُضمّ إليها في اليوم نفسه بحيرة إيمير لأنهما في القضاء نفسه ومتّصلتان مائيًّا، مع تذكّر الفارق: موغان تدخلها بسيارتك، وإيمير تركن خارجها وتدخل ماشيًا أو بدرّاجة. والترتيب الأمثل: إيمير صباحًا للمشي والدرّاجة في الحرج، ثم موغان بعد الظهر للممشى والغداء ومشاهدة الطيور.

موسم السباحة: الربيع أفضل مواسمها بلا منازع لأنه موسم الهجرة، وفيه تصل الفلامنغو نحو مايو إلى مناطق القصب حول قرية غوكتشه أورن ومنطقة سِتْ باشي. والخريف كذلك موسم طيور جيد وطقسه ألطف من الصيف. والصيف حارّ لكن المساء على الماء لطيف والمرافق كلها عاملة. والشتاء بارد والبحيرة الضحلة قد يتجمّد سطحها. وننبّه إلى أن الممشى الخشبي مكشوف في معظمه، فقبّعة وماء في الصيف ضرورة.

بلدة بيبازاري العثمانيةمعلم

بلدة بيبازاري العثمانية

بيبازاري بلدة عثمانية تتدرّج بيوتها البيضاء على منحدر تلّة، وهي قضاء من أقضية محافظة أنقرة يبعد نحو مئة كيلومتر شمال غربها — لا غربها كما يتردد — على ارتفاع 675 مترًا في هضبة الأناضول الوسطى. وعدد سكان القضاء 48,357 نسمة بإحصاء 2022، فهي بلدة لا قرية كما يصوّرها بعض المحتوى. واسمها يعني «سوق البك»، وهو اسم يليق بوظيفتها التاريخية: كانت تُعرف في العصور القديمة بـلاغانيا، ثم سُمّيت في العهد البيزنطي أناستاسيوبوليس نسبةً إلى الإمبراطور أناستاسيوس الأول (491–518). وتعاقب عليها الحِثِّيون والفريجيون والغلاطيون والرومان والبيزنطيون، ثم السلاجقة في القرن الثاني عشر فصارت عقدة على طريق الحرير، ثم العثمانيون فصارت مركزًا إداريًّا وعسكريًّا. ومن حرفها التاريخية الأصيلة — لا المستحدثة للسياحة — التِّلكاري، أي تخريم الفضة. وشهرة بيبازاري اليوم قائمة على بيوتها: نحو ثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة بيت عثماني أبيض من طابقين أو ثلاثة بالخشب والجصّ، تصفها مصادر بأنها متحف مفتوح لعمارة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وفيها تفصيلة جميلة يعرفها أهلها: الطابق الأعلى كان يُترك عمدًا غير مكتمل، رمزًا إلى أن حياة الأسرة مستمرة ولمّا تنتهِ بعد. وشريانها التاريخي شارع علاء الدين. وهي كذلك من الحالات التي يُستشهد بها في تركيا نموذجًا لإحياء بلدة بالحفاظ لا بالهدم — لكن القصة أدقّ مما يُروى، ونرويها كما هي. فالترميم قصة العقد الأول من الألفية لا التسعينيات كما يشيع: قادته بلدية بيبازاري في عهد رئيسها منصور يافاش (1999–2009، وهو منذ سنة 2019 رئيس بلدية أنقرة الكبرى). و«مشروع تجديد بيبازاري» أنجز إصلاح واجهات نحو 495 بيتًا في مركز البلدة سنتَي 2000 و2001، ثم حملة أخرى على شارع علاء الدين سنة 2015. أي نحو خمسمئة بيت من أصل ثلاثة آلاف وخمسمئة — واحد من كل سبعة تقريبًا، لا البلدة كلها. والأهمّ أن الأدبيات الأكاديمية التركية تصف العمل بأنه «تأهيل واجهات» (جبهه ساغليكلاشتيرما): إصلاح خارجيّ وطلاء، لا حفاظ إنشائيًّا كاملًا يشمل الدواخل. وثمة دراسات جامعية تركية تبحث آثار السياحة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية على الأهالي، وأطروحة دكتوراه درست الطاقة الاستيعابية الاجتماعية للبلدة بوصفها مركزًا سياحيًّا — وهو عنوان يشي بقلق من الضغط والتشبّع. فالخلاصة الأمينة: النموذج حقيقيّ ومحليّ القيادة، لكنه نموذج واجهات، وعمقه ومداه محلّ نقاش أكاديمي في تركيا نفسها. وننبّه إلى أننا لم نجد سلسلة موثوقة لأعداد الزوّار قبل المشروع وبعده، فلا ننشر رقم نموّ؛ والرقم الصلب الوحيد الذي وقفنا عليه أن متاحف البلدة استقبلت 151,693 زائرًا سنة 2024 — والزوّار الكلّيون أكثر من ذلك بلا شكّ لأن ليس كل زائر يدخل متحفًا. وبيبازاري مدرجة على القائمة التمهيدية لليونسكو باسم «بلدة بيبازاري التاريخية» منذ الرابع عشر من أبريل سنة 2020 — وهي ليست موقعًا مسجَّلًا في قائمة التراث العالمي، والفرق بين الترشيح والتسجيل يسقط كثيرًا في المحتوى العربي والإنجليزي معًا. وفي ملفّ الترشيح عنصران يستحقّان الذكر لأنهما يفسّران العمارة نفسها: «الجصّ الحلو» (تاتلي سيوا) وهي تقنية جصّ محلية تُستعمل في البناء والترميم، و«غوسغانا» وهو ابتكار في تنظيم الفراغ نشأ استجابةً لخطر الحرائق. وأما منتجاتها فمعروفة في تركيا كلها، ولاثنين منها تسجيل مؤشّر جغرافي رسمي. الأول «كورو بيبازاري»، وهو بقسماط جافّ من الطحين والحليب والزبدة يُخبز في أفران حجرية تقليدية، وهو أول منتجات البلدة تسجيلًا. والثاني ملبّس الجزر (حاووتش لوكومو) المسجَّل في العشرين من يناير سنة 2022 بطلب من غرفة تجارة بيبازاري، ووصفه الرسمي: حلوى من الجزر المسلوق المهروس، برتقاليّة مطفأة اللمعان، مغطّاة بجوز الهند، مقطّعة مكعّبات نحو سنتيمترين. ومعهما عصير الجزر و«الجزرية» ومربّى الجزر. وثالثها المياه المعدنية، وينابيعها مرتبطة بوادي إينوزو — ونضبط هنا: العلامة التجارية الوطنية للمياه شركة قائمة بذاتها، فلا يُقال إن كل قنّينة تُباع في تركيا تأتي من نبع داخل البلدة. ورابعها الغوفيتش أي اليخنة، وقد كان اسمها في اسم المهرجان نفسه. وأشهر حلواها «باقلاوة الثمانين طبقة»، وهي حقيقية ومميّزة فعلًا: رقائق رقيقة جدًّا تُرقّ باليد بلا نشا، بينها الجوز، ولا يتجاوز ارتفاع القالب كلّه خمسة إلى ستة سنتيمترات، وتُخبز نحو أربع ساعات. لكن دقّة لا يذكرها أحد: منتجو بيبازاري أنفسهم يصرّحون في أوصاف منتجاتهم بأن النسخة التقليدية ذات الثمانين طبقة تُصنع اليوم بستين طبقة، والوصفات المنشورة تقسّم العجين ستين قطعة وتُدهن كل خامسة عشرة بالزبدة. فالاسم تراثيّ والعدد اسميّ. وأما التِّلكاري — تخريم الفضة — فحرفة حيّة لكنها تنكمش: الصحافة التركية تنشر عنها تحقيقات عنوانها «آخر ممثّلي التلكاري»، وكثير مما يُباع في محلات السياح ليس بالضرورة مشغولًا محليًّا بيد صانع — فمن أراد قطعة أصيلة فليسأل عن الصانع لا عن السعر. وأما «الجزر» فهو عنوان البلدة، وفيه مبالغة تحتاج ضبطًا. تتردد ثلاث نسب لحصّتها من إنتاج تركيا: أربعون بالمئة في صحافة محلية، وخمسون بالمئة في وكالة أنباء تركية، ونحو ستين بالمئة في ويكيبيديا الإنجليزية — وهي أعلاها وأكثرها نقلًا إلى المحتوى العربي. ولا واحدة منها رقمًا من هيئة الإحصاء التركية، بل ثمة مصدر زراعي يقول إن أنقرة ثاني محافظات تركيا في الجزر وإن بيبازاري تنتج نحو ربع إنتاج محافظة أنقرة — وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين نسبة وطنية بين أربعين وستين بالمئة. والثابت أن إنتاج تركيا من الجزر بلغ 897,838 طنًّا سنة 2024 بحسب هيئة الإحصاء، وأن بيبازاري من أبرز أقضية تركيا في زراعته. فتُنسب النسبة لقائلها ولا تُقرَّر. ولا يوجد «مهرجان للجزر» مستقلّ خلافًا لما يُظنّ: الجزر يُحتفى به داخل مهرجان البلدة الأكبر.

من أنقرة نحو 98 إلى 100 كيلومتر شمالًا غربًا، والرحلة بالحافلة نحو ساعة ونصف من الكراج المركزي آشتي، والرحلات متقاربة تكاد تكون كل ساعة — ومن مشغّليها شركة «أنادولو توريزم» — وتصل إلى كراج بيبازاري. ولا ننشر أجرة لأننا لم نقف على تعريفة محدَّثة موثوقة؛ راجعها على منصّات حجز التذاكر التركية قبل السفر. وننبّه إلى خطأ في أحد تطبيقات الحجز يعطي زمن الرحلة «23 ساعة ونصف» — وهو خطأ بيانات من مسار متعدّد المراحل، والحقيقة ساعة ونصف. وهي رحلة اليوم الواحد الكلاسيكية من أنقرة، وأكثر زوّارها من أهل أنقرة القادمين صباحًا العائدين مساءً. ويوم كامل يكفي للشوارع ومتحفين أو ثلاثة والغداء وتلّة هيدرليك للإطلالة. ومن أراد ترقيةً حقيقية للتجربة فليبِت ليلة: فيكمل وادي إينوزو على مهل، ويمشي في الشوارع الفارغة بعد رحيل الحافلات. والإقامة في قصور عثمانية مرمَّمة صارت فنادق صغيرة — ولا نسمّي فندقًا بعينه لأننا لم نتحقّق من استمراره.

موسم السباحة: الربيع والخريف أفضل المواسم: البلدة على هضبة بارتفاع 675 مترًا، فصيفها حارّ جافّ وشتاؤها بارد يثلج. وأواخر سبتمبر موعد المهرجان الدولي لبيبازاري القائم منذ سنة 1994 — واسمه التاريخي كان يضمّ «البيوت التاريخية والحرف اليدوية والجزر والغوفيتش». وهنا فخّ تواريخ: كان المهرجان يُقام كل يونيو حتى سنة 2016، ثم انتقل إلى سبتمبر منذ سنة 2017 — وأدلة كثيرة، منها ويكيبيديا، ما زالت تذكره في يونيو. وقد أُقيمت نسخته الثامنة والعشرون في 26–28 سبتمبر 2025، ويُتوقَّع أن تكون نسخة 2026 نحو 25–27 سبتمبر — وهو توقّع لا إعلان بلديّ، فيُتحقَّق منه.

مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو)معلم

مدينة غوردیون الأثرية (اليونسكو)

غورديون عاصمة الفريجيين، وهي في قرية ياسّي هويوك بقضاء بولاتلي من محافظة أنقرة، على سهل نهر سقاريا. وأول ما يجب أن يعرفه الزائر أنها ليست معلمًا داخل مدينة أنقرة كما يوحي أكثر المحتوى العربي: بينها وبين المدينة نحو 90 إلى 95 كيلومترًا غربًا، فهي رحلة نصف يوم لا محطة في جولة حضرية. وقد أُدرجت على قائمة التراث العالمي في اليونسكو سنة 2023 باسم «غورديون» (الملفّ رقم 1669) بالمعيار الثالث وحده، على أنها خير شاهد باقٍ على الحضارة الفريجية — حضارة العصر الحديدي التي برعت في البناء بالخشب ونحته وفي المعادن. ومساحة الموقع المسجَّل 1,064 هكتارًا ونطاقه الحاجز 4,430 هكتارًا. وتفصيلة تخصّ قارئنا: جرى التسجيل في الدورة الخامسة والأربعين الموسّعة للجنة التراث العالمي المنعقدة في الرياض في سبتمبر 2023 — أي أن غورديون دخلت التراث العالمي من عاصمة عربية، وقلّ من ذكر ذلك بالعربية. ويسيطر على أفق السهل التلّ الجنائزي الكبير المعروف بـ«تومولوس MM»، وارتفاعه اليوم نحو 53 مترًا وقطره نحو ثلاثمئة متر، ويُقدَّر أن ارتفاعه الأصلي بلغ نحو سبعين مترًا قبل أن يتهدّل ويتّسع في سبعة وعشرين قرنًا. وحوله حقل من التلال يقول فريق التنقيب في متحف جامعة بنسلفانيا إنها نحو مئة وثلاثين، وتذكر مصادر أخرى ما فوق المئة والعشرين أو نحو التسعين — فالأسلم أن يقال «أكثر من مئة». وفي جوف التلّ الكبير غرفة دفن خشبية مقاسها 6.15 في 5.15 مترًا: عوارض أرضيتها من الأرز، وجدرانها وسقفها المزدوج الانحدار من الصنوبر، وحولها غلاف خارجي من جذوع العرعر، والكلّ محشوّ بالركام ومختوم بالطين والتراب — وهو الختم الذي منع الرطوبة نحو 2,700 سنة فحفظ الخشب. وهنا أهمّ ما في هذه الصفحة. الاسم «قبر ميداس» ليس تسمية قديمة: هو اختصار وضعه فريق رودني يونغ سنة 1957 حين فتح التلّ، ثم انتقل إلى كل دليل سياحي فصار يُقرأ حقيقةً مقرَّرة. والدليل يقول غير ذلك: تأريخ حلقات الأشجار مع الكربون المشعّ — وهو عمل مختبر جامعة كورنيل المرتبط باسم بيتر إيان كونيهولم — يضع قطع أخشاب العرعر نحو سنة 740 قبل الميلاد؛ بينما ميداس نفسه — وهو «ميتا ملك المشكي» في السجلات الآشورية — مشهود له بين سنتَي 717 و709 قبل الميلاد. فالرجل المدفون هنا مات قبل ازدهار ميداس بجيل تقريبًا. ولذلك صار الرأي الغالب اليوم أن صاحب القبر ملك أسبق يُرجَّح أنه أبو ميداس — الذي تسمّيه الرواية اليونانية غوردياس — وأن ميداس هو الذي بنى التلّ لا الذي دُفن فيه. ونضبط الأمانة إلى آخرها: لا نصّ ولا نقش في القبر يسمّي صاحبه، واسم «غوردياس» يأتي من الأسطورة اليونانية لا من وثيقة. فالصياغة الدقيقة: ملك بالغ مات نحو 740 ق.م. يربطه الباحثون بمن تسمّيه الرواية اليونانية غوردياس. وقد ضمّ القبر مجموعة باهرة فيها تسعة وتسعون مشبكًا وأوانٍ برونزية وأجود أثاث خشبي باقٍ من العصر الحديدي في العالم. ويوصف هذا القبر بأنه أقدم بناء خشبي قائم معروف في العالم — والوصف صحيح بقيوده، وهي قيود يسقطها المحتوى العربي عادةً فيصير الكلام مضلِّلًا. القيد الأول أنه مدفون داخل تلّ لا قائم في الهواء الطلق. والقيد الثاني أن معنى «قائم» أن جدرانه وسقفه لم تنهر قطّ. أما أقدم بناء خشبي قائم فوق الأرض فمعبد هوريوجي في اليابان من القرن السابع الميلادي — وهو متأخر عن هذا بنحو أربعة عشر قرنًا لكنه فوق الأرض. فالادّعاءان لا يتعارضان، وإنما المشكلة في حذف الوصف. ونحذّر هنا من خطأ راهن يدور في الصحافة سنة 2026: مقالات — منها خبر مؤرَّخ في الحادي عشر من أغسطس 2026 — تصف الغرفة وأخشابها بأنها «عمرها نحو 3,200 سنة». وهذا خطأ بنحو أربعمئة وخمسين سنة: بناءٌ من نحو 740 ق.م. عمره في 2026 نحو 2,765 سنة، و«3,200 سنة» تعني نحو 1200 ق.م. — أي عصر انهيار البرونز المتأخر، قبل قيام مملكة فريجيا أصلًا. ومن ترجم تلك المقالات إلى العربية ورث الخطأ. وتاريخ التنقيب في الموقع نفسه قصة. بدأه الأخوان الألمانيان ألفرِد وغوستاف كورتِه سنة 1900، وهما اللذان عرّفا ياسّي هويوك بأنها غورديون القديمة، ونقّبا خمسة تلال ونشرا سنة 1904. ثم جاء متحف جامعة بنسلفانيا: رودني س. يونغ من 1950 إلى 1973 في سبعة عشر موسمًا، نقّب نحو نصف تلّ القلعة ونحو ثلاثين تلًّا جنائزيًّا، وفتح التلّ الكبير سنة 1957 بخندق مكشوف ونفق. ثم كيث ديفريس، ثم كِنِث سامز مع ماري فويت التي أعادت بناء التسلسل الطبقي للموقع من البرونز المتأخر إلى الروماني، ثم س. برايان روز مديرًا للتنقيب حتى اليوم. وقد تسارعت الاكتشافات بعدما وسّعت وزارة الثقافة والسياحة التركية العمل سنة 2024 ليصير ميدانيًّا على مدار السنة بالشراكة مع أثريين أتراك. وأبرز ما أُعلن: في الحادي عشر من يونيو 2025 كُشف قبر ملكي في التلّ T-26 قرب المتحف — ارتفاعه 6.5 أمتار وقطره ستون مترًا — وتاريخ غرفته نحو 750 ق.م. أي في زمن أسرة ميداس. حدّده مسحٌ مغناطيسي أجراه الأستاذ يوجل شنيورت من جامعة أنقرة حاجي بيرام ولي، ونُقِّب بالاشتراك مع فريق روز في أربعة أشهر. والمفاجأة أنه حرقٌ لا دفنٌ للجسد — يقول روز إنه يسبق ما عُرف من حالات الحرق في غورديون بأكثر من قرن، وكان المتوقَّع أن يُدفن ملوك فريجيا في هذا العهد بأجسادهم كاملة. وفيه أوانٍ برونزية للولائم من مراجل وسلطانيات وأباريق، وأدوات حديدية، وآثار نسيج عالقة بسطوح الأواني. وقبله كُشف في التلّ T-52 دفنُ طفل دون العاشرة معه أكثر من ثلاثة آلاف خرزة كهرمان مستوردة من بحر البلطيق — شاهد على مدى تجارة غورديون البعيدة. وإلى غورديون تُنسب العقدة الغوردية: عربة خشبية قيل إنها عربة غورديون، ونبوءة أن من يحلّ عقدتها يملك آسيا، ووصول الإسكندر الأكبر إلى المدينة سنة 333 قبل الميلاد. والمصادر القديمة تختلف فيما فعل، وهذا هو اللبّ. فـأريان في «أنابازيس» يروي — ناقلًا عن أرسطوبولوس وكان في حملة الإسكندر نفسها — أن الإسكندر نزع مسمار العارضة الذي يثبّت النِّير في عمود العربة فانحلّت أطراف الحبل وفُكّت العقدة بلا قطع. وبلوتارخس في ترجمة الإسكندر ينتقد رواية السيف صراحةً بوصفها الرواية الشائعة، وينقل رواية أرسطوبولوس. وفي المقابل يروي كوينتوس كورتيوس روفوس ويوستينوس أنه قطعها بسيفه. والحبل — بحسب أريان — من لحاء القرانيا. ويرى كثير من الدارسين أن رواية المسمار أرجح. وفي هذا مفارقة تستحقّ أن تُقال بالعربية: المثل الذي دخل لغات العالم — «قطع العقدة الغوردية» — مبنيّ على أضعف الروايتين سندًا. ونضيف ما لا يُقال: لم تُستخرَج عربة ولا عقدة من الموقع قطّ؛ هذه رواية أدبية عُلّقت على مكان حقيقي. (وقد ربط جانبٌ من التفسير الإسلامي القديم بين الإسكندر وذي القرنين المذكور في القرآن، وهو ربطٌ اختلف فيه المفسّرون قديمًا وردّه كثير من المحدثين ورجّحوا شخصية أخرى — فنذكر الخلاف ولا نرجّح فيه شيئًا.) وأما ميداس نفسه فبين تاريخ وأسطورة. التاريخيّ منه أن «ميتا ملك المشكي» يظهر في السجلات الآشورية سنة 717 وسنة 709 وفي سبعينيات القرن السابع: يقود سنة 717 تحالفًا يقوّض النفوذ الآشوري في جنوب الأناضول، ويحرّض ممالك آشور التابعة على الثورة على سرجون الثاني، ثم يصالح آشور سنة 709. أما الأسطوريّ فقصّتا لمسة الذهب — منحه إياها ديونيسوس جزاءَ إكرامه سيلينوس — وأذنَي الحمار؛ وهما حكايتان يونانيتان عن ملك فريجيّ نُسجتا بعده بقرون، تحدّثاننا عن نظرة اليونان إلى ثراء فريجيا أكثر مما تحدّثاننا عن الرجل الذي في الألواح الآشورية. وثمة خلاف علميّ ثالث ينبغي أن يُروى بوجهيه: طبقة الدمار في غورديون. الرأي القديم — وهو إطار رودني يونغ ومنه كل الكتب والأدلة القديمة — يؤرّخها نحو 700 ق.م. وينسبها إلى غزو الكيمريين، استنادًا إلى خبر عند سترابون وإلى شهادة آشور على ميداس؛ ولا يزال أوسكار وايت موسكاريلا يدافع عن هذا التاريخ بقوة. والرأي الآخر جاء من مختبر: في يناير 2001 أجرى بِرند كرومِر قياسات كربون مشعّ على خمس عيّنات بذور من طبقة الدمار استخرجتها ماري فويت من «مبنى المصطبة 2A» في موسمَي 1988–1989 وقدّمها كونيهولم، فجاءت النتيجة بين 821 و807 قبل الميلاد، ونُشر الاقتراح سنة 2003. ومؤدّاه أن الدمار وقع قبل جلوس ميداس بنحو قرن، فلا يمكن أن يكون الكيمريين، بل حريق عارض لم تسجّله المصادر. وهذا اليوم موقف بعثة بنسلفانيا نفسها، لكنه ليس إجماعًا — ومن الأمانة أن يُقال ذلك ويُسمّى المخالف. وما الذي يراه الزائر فعلًا؟ أربعة أشياء: تلّ القلعة وقد نُقّب نحو نصفه فصار انكشافًا أثريًّا واسعًا من عمارة اللبِن والحجر ومباني المصاطب وقاعات الميغارون؛ والبوابة الأثرية المحفوظة إلى ارتفاع يزيد على تسعة أمتار وتوصف بأنها بوابة حجرية أثرية شبه كاملة من القرن التاسع قبل الميلاد (والأدبيات الأقدم تقول الثامن، والتاسع أوفق للتأريخ المعدَّل)؛ وحقل التلال الجنائزية على السهل يتقدّمها التلّ الكبير؛ ومتحف غورديون المؤسَّس سنة 1963 وفيه فخار فريجي ومراجل برونزية وأدوات حديدية وأدوات نسيج وخرز زجاجي وأختام ونقود، ومعروض لقبر غلاطي، وفسيفساء رومانية من القرن الثالث الميلادي بزخارف حيوانية وُجدت في القرية، وفي حديقته فسيفساء حصويّة من القرن التاسع قبل الميلاد يوصف بأنه أقدم أرضية فسيفساء معروفة في العالم — ونذكره وصفًا في مصادر سياحية لم نجد له سندًا أكاديميًّا. وتنبيه عمليّ يغفله كل دليل عربي: أجود ما خرج من غورديون ليس في غورديون. الأثاث الخشبي من التلّ الكبير وأرفع المعادن معروضة في متحف حضارات الأناضول في وسط أنقرة. فمن جاء إلى الموقع يطلب الكنوز خرج خائبًا، والصواب أن يُزار الاثنان.

الموقع في قرية ياسّي هويوك بقضاء بولاتلي، على نحو 94 كيلومترًا غرب أنقرة، وبين بولاتلي والقرية نحو عشرين إلى ثلاثين كيلومترًا (تختلف المصادر). والسيارة أو الجولة المنظّمة هما الخيار الواقعي. أما النقل العام فممكن لكنه على ساقين وفيه حلقة ضعيفة: الساق الأولى من أنقرة إلى بولاتلي بحافلات «بايسال توريزم» من الكراج المركزي (آشتي) كل نصف ساعة تقريبًا في نحو ساعة، وثمة دولموش كذلك من طرف أولوس. (وبولاتلي على خطّ القطار السريع أيضًا، لكننا لم نتحقّق من توقّفه فيها حاليًّا فلا نبني عليه.) وأما الساق الثانية من بولاتلي إلى ياسّي هويوك فهي المشكلة: مصدر يقول إن ميني باصات تسير في المسافة الأخيرة، ومصدر آخر يقول إنه لا خدمة حافلات منتظمة أصلًا وإن السيارة الخاصة أو التاكسي ضرورة. فالنصيحة الأمينة: احسب حساب تاكسي من بولاتلي ذهابًا وإيابًا، واتفق على العودة قبل أن تنزل لئلا تعلق في السهل.

موسم السباحة: أفضل المواسم الربيع والخريف. والموقع في سهل مكشوف بلا شجر تقريبًا: تلّ القلعة وحقل التلال بلا ظلّ البتّة، والمكانان الوحيدان اللذان تبرد فيهما هما المتحف ونفق التلّ. فقبّعة وماء وواقٍ من الشمس وحذاء مغلق، وتجنّب ساعات الظهيرة في يوليو وأغسطس؛ وسهل سقاريا في الشتاء بارد مكشوف للريح. ويكفي الموقع من ساعتين إلى ثلاث: نحو نصف ساعة إلى ثلاثة أرباعها للمتحف، وعشرون دقيقة لنفق التلّ، ونحو ساعة لتلّ القلعة. وهي نصف يوم من أنقرة بالسيارة، ويوم كامل بالنقل العام.

عمود يوليان (مئذنة بلقيس)معلم

عمود يوليان (مئذنة بلقيس)

في ميدان الحكومة بأولوس، أمام مبنى ولاية أنقرة، يقوم عمود حجريّ وحيد بارتفاع نحو خمسة عشر مترًا. وهو من أغرب آثار المدينة، لا لشكله بل لأنه مجهول النسب مرتين: اسمه الشعبي التركي خطأ قطعًا، واسمه العلمي غير مؤكَّد. وهذه المفارقة هي قصّته كلها، وهي أطرف من الرواية المبسَّطة التي تجدها في كل دليل. الرواية المعتمدة أن العمود أُقيم نحو سنة 362 ميلادية تكريمًا للإمبراطور يوليان — المعروف في المصادر بـ«المرتدّ» لأنه حاول إعادة الوثنية بعد تنصّر الدولة — حين مرّ بأنكيرا في طريقه إلى حملته على الفرس، فأعدّت له المدينة نصبًا لمّا علمت أنه سيتوقّف فيها. لكن التصحيح الذي يغيب عن كل المحتوى تقريبًا: تنصّ المصادر التركية صراحةً على أنه لا دليل قاطعًا على هذه النسبة، إذ لم يبقَ على النصب نقش تكريس يسمّي يوليان. فتسمية «عمود يوليان» تقليد علميّ متوارث لا حقيقة موثّقة. (وتزيد ويكيبيديا الإنجليزية الأمر التباسًا إذ تذكر سنة 360 في بياناتها بينما يربط نصّها العمودَ بحملة 362 — والمصادر التركية على 362، فنقول «نحو 362».) وأما بناؤه فأسطوانات حجرية مضلَّعة بيضاء موضوعة بعضها فوق بعض بإحكام حتى يُقرأ العمود كأنه قطعة واحدة، من حجر جيري أبيض مائل إلى الرمادي على قاعدة من الأنديزيت. (ويتردد في بعض الأدلة أنه من خمس عشرة أسطوانة، ولم نجد لهذا العدد سندًا في مصدر موثوق، فلا نذكره.) وبدنه وقاعدته ساذجان بلا زخرفة، أما الزينة كلها فمجموعة في تاجه الكورنثي المزخرف بأوراق الأقنثا — وجانبه الشمالي متضرّر. واسمه الشعبي هو مربط الحكاية لقارئنا العربي: يسمّيه الأتراك «مئذنة بلقيس» أو «عمود بلقيس» — وبلقيس هي ملكة سبأ في التراث القرآني والكتابي. ونقولها بلا مواربة: لا صلة تاريخية بين هذا العمود وبلقيس البتّة. الاسم تسمية شعبية عثمانية أُلصقت بأثرٍ قديم لم يعرف الناس نسبه، تمامًا كما سُمّي في رواية أخرى «مئذنة البنات» أو «حجر الفتاة» لاعتقاد سرى بأنه شاهد قبر لفتاة — وقد سجّل هذا الظنّ رحّالة غربي. وهو ليس مئذنةً أصلًا ولا كان قطّ. فاجتمع في نصب واحد أن اسمه المحليّ خرافة، وأن اسمه العلمي ترجيح. وثمة تصحيح ثانٍ يغفله أكثر ما يُكتب: العمود ليس في موضعه الأصلي. كان قائمًا في المنطقة الواقعة بين مبنى «إش بنكسي» اليوم و«طاش خان»، فأخذ يميل بسبب هبوط الأرض تحته، فنُقل إلى موضعه الحالي في ميدان الحكومة سنة 1934 — أي في السنوات نفسها التي كانت أنقرة تُبنى فيها عاصمةً جديدة. ثم أهملته السنون حتى رمّمته الولاية سنة 2001. وله شهرة ثالثة: عشّ اللقالق. فقد كان يعلوه عشّ لقالق شهير حتى صار يُعرف بـ«العمود ذي اللقلق»، لكن العشّ اختفى بعدما ضاقت مساحات تغذية اللقالق ومعيشتها داخل المدينة. فأقامت جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية على قمّته منصّة عشّ صناعية استمالةً لها كي تعود. فما تراه اليوم فوق التاج عشّ صناعي بانتظار ساكنيه — ولا يُوعد الزائر بلقلق حيّ. وهذه — على صغرها — من أصدق التفاصيل التي تُروى عن هذا النصب وأقلّها ذكرًا.

العمود في ميدان الحكومة أمام مبنى ولاية أنقرة بحيّ أولوس. وأقرب محطة أولوس، ومنها نحو سبع دقائق مشيًا. والحمّامات الرومانية على نحو خمس دقائق منه على جادة تشانقيري، ومنهما إلى معبد أوغسطس وجامع حاجي بيرام ولي ثم متحف حضارات الأناضول ثم قلعة أنقرة — كلها في جولة واحدة على الأقدام داخل أولوس. والترتيب المريح: ميدان أولوس ← العمود ← الحمّامات الرومانية ← المعبد والجامع ← المتحف ← القلعة عند الغروب.

موسم السباحة: يُرى في كل الفصول وفي كل ساعات اليوم لأنه في ميدان مكشوف بلا سياج مغلق. والربيع والخريف أطيب للمشي في أولوس عمومًا. ولا تخطّط له وقتًا مستقلًّا: هو محطة دقائق ضمن جولة أوسع، وقيمته في قصّته لا في مساحته.

قلعة أنقرةقلعة

قلعة أنقرة

قلعة أنقرة ليست موقعًا أثريًّا بشبّاك تذاكر: هي حيّ سكنيّ حيّ داخل أسوار بيزنطية، فيه بيوت يسكنها الناس وغسيل منشور وقطط ودكاكين ومقاهٍ، والدخول إليه مجانيّ بلا بوابة ولا تذكرة. وأول ما ينبغي تصحيحه أن الأدلة تقدّمها «قلعة عمرها ثلاثة آلاف سنة» أو «قلعة حِثِّية أو فريجية» — والحجارة التي تلمسها ليست كذلك. الدراسة المرجعية في تأريخ القلعة لكلايف فوس المنشورة في حوليات دمبارتن أوكس سنة 1977 تضع التحصينات الباقية بعد تدمير الفرس الساسانيين للمدينة سنة 620 أو 622 ميلادية على الأرجح. فالماضي الفريجي والغلاطي والروماني حقيقي، لكنه لا يقف أسوارًا — بل يقيم داخل الأسوار حجارةً معاد استعمالها. والصياغة الأمينة أطرف من الأسطورة: القلعة ليست عمرها ثلاثة آلاف سنة، لكنها مبنيّة من أشياء عمرها ثلاثة آلاف سنة. أما التأريخ التفصيلي فطبقتان: السور الداخلي (إيتش قلعة) يرجع إلى منتصف القرن السابع الميلادي، وربما إلى عهد الإمبراطور قنسطانز الثاني (641–668)، والسور الخارجي إلى مطلع القرن التاسع. وهنا خلاف ينبغي ذكره بأمانة: أكثر الأدلة السياحية تنسب السور الخارجي إلى الإمبراطور ميخائيل الثاني (820–829)، بينما الدليل النقشي — أي كتابة محفورة على القلعة نفسها ومؤرَّخة — يسمّي ميخائيل الثالث وسنة 859 ميلادية. ومصادر البيزنطيات تحسم بأن الدوائر كلها أُعيد بناؤها في عهد ميخائيل الثالث، ويعدّ مشروع «البحر الأسود في العصور الوسطى» بجامعة برنستون نقشَ 859 توثيقًا لحملة ترميم كبرى. فالصواب أن يقال: داخليّ من منتصف القرن السابع، وخارجيّ من القرن التاسع، ونقشٌ مؤرَّخ يثبت إعادة بناء كبرى سنة 859 — ولا يُجزَم بميخائيل الثاني. وللقارئ العربي في هذه القلعة فصل يخصّه، وهو أدقّ بكثير مما يتداوله المحتوى العربي. تعرّضت أنقرة — أنكيرا — لموجات من حملات المسلمين على مدى ثلاثة قرون تقريبًا: فتحها معاوية بن أبي سفيان سنة 654 ميلادية وهي أول مرة تسقط فيها المدينة بيد جيش عربي. ثم فشل هجومان عباسيان سنتَي 776 و798–799. ثم قوّى الإمبراطور نقفور الأول تحصيناتها سنة 805. وفي السنة التالية جاءت حملة هارون الرشيد الكبرى على آسيا الصغرى سنة 806 — وهنا التصحيح: بلغ جيشه أنقرة ولم يفتحها. غنيمة تلك الحملة الكبرى كانت هِرَقلة التي حاصرها الرشيد بنفسه شهرًا وهدمها، لا أنقرة. والأرجح أن أنقرة صمدت لأن نقفور كان قد رمّم أسوارها قبلها بسنة واحدة. ثم كانت الضربة القاصمة سنة 838: بعد هزيمة البيزنطيين في أنزِن في الثاني والعشرين من يوليو، تقارب جيشا الخليفة المعتصم وقائده الأفشين على أنقرة فوجداها وقد أخلاها أهلها، فسُوّيت بالأرض ثم مضى الجيش إلى عمّورية. وآخر غارة عربية عليها سنة 931 بقيادة ثمَل الدُّلَفي. ونضبط أمانةً: الروايات العربية لهذه الحملات تقوم أساسًا على الطبري، والرواية الموازية عند البيزنطيين ثيوفانيس المعترف ومن بعده، ونحن لم نتحقّق من موضع بعينه في «تاريخ الرسل والملوك» فلا ننسب إلى الطبري نصًّا محدَّدًا. ومن هذه الوقائع تخرج جملة واحدة هي مفتاح القلعة كلها: هدم المعتصم أنقرة سنة 838، فأعاد الإمبراطور ميخائيل الثالث بناء أسوارها سنة 859 — ونقشُه لا يزال على الحجر. أي أن الأسوار التي تمشي عليها اليوم هي، بمعنى مباشر وقابل للتوثيق، جواب بيزنطة على جيوش الخلافة. وقد لاحظت الدراسة البرنستونية أن أنقرة اكتسبت أهميتها الاستراتيجية من القرن السابع فصاعدًا استجابةً للتهديد العسكري العربي تحديدًا. وهذه ليست قراءة رومانسية ولا مبالغة قومية: هي تسلسل ثلاث وقائع كلٌّ منها مشهود له بمصدره. وأمتع ما في القلعة أن تقرأ جدارها كما يقرأ الأثريّ. فكلا السورين مبنيّ بكميات ضخمة من الحجارة المعاد استعمالها من مدينة أنكيرا الرومانية، وقد فهرست دراسة برنستون ما فيه: كتل رومانية عليها نقوش يونانية ولاتينية مثبَّتة بزوايا عشوائية، وأفاريز آبار عليها علامات بنّائين، وشظايا توابيت جنائزية بزخارف أكاليل ونقوش آدمية — أي أن شواهد القبور فعلًا في الجدار — وأسطوانات أعمدة موضوعة أفقيًّا كالبراميل عبر البناء. وأطرف ما فيها الهِرْمات، وهي تماثيل نصفية على أعمدة، ومنها واحد يُعرَّف بأنه هرقل — وقد رُكّبت لا على وضعها الأصلي بل مضجَعةً على جنبها. وهذه تحديدًا تفصيلة يستطيع الزائر أن يتحقّق منها بعينه. ويقول نقش ميخائيل الثالث سنة 859 إن الإمبراطور «زيّن الأسوار بحجارة عجيبة وذخائر»، وتقرأ الدراسة البرنستونية ذلك دليلًا على أن هذه الحجارة عُرضت عمدًا لأثرها الرمزي لا حُشيت حشوًا رخيصًا — وننسب هذا التفسير إلى صاحبه. ونقيّده بما يقيّده به المصدر: تأريخ كل قطعة على حدة محلّ نزاع بسبب تعدّد الترميمات. ثم تعاقبت على القلعة طبقات أخرى: دخل الأتراك المدينة نحو سنة 1073 — لا 1071 كما يتردد خلطًا مع ملاذكرد — واستُعيدت وقتًا في حملة الصليبيين سنة 1101 ثم استقرّت للسلاجقة. ويُنسب برج آق قلعة في الركن الجنوبي الشرقي من القلعة الداخلية، وهو أعلى نقطة فيها ويسمّيه الأهالي «آليطاشي»، إلى السلطان كيكاوس سنة 1249 — وهي رواية محلية مفردة المصدر لا نقش عليها، فنذكرها روايةً. وصارت عثمانية من سنة 1356، وفي سهلها وقعت معركة أنقرة سنة 1402 حين هزم تيمورلنك بايزيد الأول، ثم عادت للعثمانيين سنة 1403. وإسهام العثمانيين في القلعة ليس عسكريًّا بل بيتيًّا: البيوت الخشبية التي تملأ الحرم الداخلي، وبرج الساعة على البوابة. وتحيط بالقلعة الداخلية مساحة نحو 350 مترًا في 150 مترًا بأبراج متقاربة، وتذكر مصادر تركية محلية 42 برجًا بارتفاع 14–16 مترًا على نحو 43 ألف متر مربع — ونضعها في باب الرواية المحلية. وأبراج السور الخارجي تتباعد نحو أربعين مترًا. وأبواب يمرّ بها الزائر: بارماق قابيسي («باب الإصبع») ويسمّى أيضًا باب الساعة ببرجه المثمّن، وحصار قابي، وزندان قابي أي باب السجن. والقلعة اليوم بعد ترميم كبير: نفّذت بلدية أنقرة الكبرى برنامج ترميم وتقوية إنشائية استُهدف إنجازه في مارس سنة 2025 ثم أُعلن اكتماله. وشمل إغلاق الشقوق في جدران الأسوار وتقويتها بقضبان فولاذية حلزونية غير قابلة للصدأ صُنعت خصيصًا واستُوردت من ألمانيا لمرونتها تحت الأحمال الزلزالية، وحقن المونة في الأبراج المتشقّقة على امتداد ما بين حصار قابي وأسوار البرج الشرقي، ونزع المونة غير الأصلية من الفواصل وإحلال مونة بالتركيبة الأصلية، وتنظيف الواجهات الحجرية بالماء، وبناء تيجان على أعالي الجدران لصرف مياه المطر. وفي برج الساعة جُدّدت الواجهة والنوافذ والباب، وأُعيد تشغيل آلية الساعة والجرس. ورافق ذلك إنارة وتنسيق موقع وتأهيل شوارع. وفي المقابل تنقل صحافة الآثار التركية خبرًا نقديًّا عن هدم امتدادات سورية كانت تتّصل بالقلعة — ونذكره بنسبته إلى ناقله لأننا لم نضبط تاريخه.

أقرب محطة أولوس على خط المترو M1 (كيزيلاي–باتيكنت)، ومن كيزيلاي محطتان فقط: صحّية ثم أولوس. وننبّه إلى غلط يتردد حتى في محتوى تركي: يُقال «اركب الأنقراي من كيزيلاي وانزل في أولوس» — وهذا خطأ، فالأنقراي خط آشتي–ديكيم إيفي ولا يمرّ بأولوس أصلًا. ومن محطة أولوس نحو عشر إلى خمس عشرة دقيقة مشيًا صعودًا عبر حيّ آت بازاري إلى بوابة القلعة. وأنفع معلومة في هذه الصفحة: تُسيّر بلدية أنقرة الكبرى حافلة دائرية مجانية كل نصف ساعة من العاشرة إلى الثانية عشرة ومن الواحدة إلى الخامسة، تقف عند محطة مترو أولوس ومتحف حضارات الأناضول وقلعة أنقرة وسمان بازاري والمتحف الإثنوغرافي وجامع مليكة خاتون — وهي تحلّ مشكلة الصعود لمن يشقّ عليه المشي، فتأكّد من استمرارها قبل الاعتماد عليها. والتاكسي من كيزيلاي نحو اثنتي عشرة دقيقة، ويصعد طريق منحدر قرب مدخل القلعة فيوفّر أكثر التعب — أما المواقف داخل الأسوار فمعدومة عمليًّا لضيق الأزقّة.

موسم السباحة: الزيارة صالحة في كل الفصول، وأفضلها الربيع والخريف؛ وصيف أنقرة حارّ جافّ يشقّ فيه الصعود، وشتاؤها قارس يجعل الحصى المرصوف زلقًا. وتحذير سلامة لا يجوز تخفيفه: لا حواجز ولا درابزين على أعالي الأسوار ولا على السلالم، وعرض الحافة التي يُمشى عليها نحو مترين ونصف مع هبوط طويل على الجانبين، والسلالم الحجرية ضيّقة شديدة الانحدار وتزلق بعد المطر. فالحذاء المسطّح المغلق ذو القبضة شرط، ولا تُلبَس النعال ولا الكعب ولا الأحذية الملساء. والمشي على الأسوار غير مناسب للأطفال الصغار ولا لمن في اتّزانه ضعف — والأزقّة والبيوت في الداخل متاحة للجميع، فمن خشي فليكتفِ بها ويترك حافة السور. وأفضل وقت للإطلالة أواخر العصر إلى الغروب.

جامع حاجي بيرام وليمسجد

جامع حاجي بيرام ولي

في حيّ أولوس بأنقرة، على السفح تحت القلعة، يقوم مشهد لا نظير له في تركيا كلها: جامع وليّ صوفيّ من القرن الخامس عشر يستند بجداره إلى معبد رومانيّ للإمبراطور أوغسطس، والجدار الذي يلامسه المصلّون تحمل حجارته أكمل نسخة باقية في العالم من سيرة أوغسطس بقلمه هو. تحت قدميك في هذه البقعة أربع ديانات متعاقبة: معبد فريجيّ لكيبيلي وقمر «مِن»، ثم المعبد الروماني، ثم كنيسة بيزنطية في القرن الخامس، ثم الجامع العثماني. ومع ذلك فالمكان ليس متحفًا: هو أكثر مزارات أنقرة ازدحامًا وأشدّها حياةً، يقصده الناس من كل تركيا. وحاجي بيرام ولي عَلَم من أعلام التصوف الأناضولي. تعطي وثيقة وقف مؤرَّخة سنة 832 هـ اسمَه كاملًا: «قطب الأولياء الشيخ الحاج بيرام بن أحمد بن محمود الأنقروي». ويُروى في مصادر متأخرة — أقدمها «مرآة العشق» لعبد الرحمن العسكري في القرن العاشر الهجري — أن اسمه الأصلي نعمان، ونذكرها روايةً متأخرة لا وثيقة معاصرة كما يفعل كثير من المحتوى العربي. أما مولده فتقول دائرة المعارف الإسلامية التركية (TDV) إنه مجهول، وترجّح نحو سنة 740 هـ الموافقة 1339–1340 استنادًا إلى أخبار تفيد أنه عاش فوق التسعين — بينما يتردد في المحتوى السياحي والعربي تاريخ 1352 بلا سند وثائقي. وكان مدرّسًا في أنقرة قبل تحوّله، ثم لزم الشيخ حميد الدين الأقسرائي المعروف بـ«صومنجو بابا» نحو يونيو سنة 1403 — أي في الفوضى التي أعقبت أسر بايزيد الأول ووفاته بعد معركة أنقرة سنة 1402. وهنا تصحيح لطيف: اسم «بيرام» — أي العيد — لم يأتِه لأنه وُلد في العيد كما يشيع، بل منحه إياه شيخه يوم لقائهما الذي وافق يوم عيد، هكذا تنصّ TDV. وأسّس بعد عودته إلى أنقرة نحو سنة 1412 طريقة «البيرامية». وتصفها TDV بأنها أول طريقة صوفية نشأت وترعرعت داخل الأناضول نفسها — أي أنها ليست وافدة من خراسان أو العراق أو مصر كسائر الطرق — ونحن ننسب هذا التفضيل إلى TDV بعينها لأنه تفضيل يحتاج نسبةً. واستدعاه السلطان مراد الثاني إلى أدرنة نحو سنة 1421–1424 بناءً على وشايات بأنه يثير الناس، فلما لقيه اعتذر إليه وعدّ ما قيل بهتانًا. وبعد ذلك اللقاء نالت الطريقة اعترافًا رسميًّا وأُعفي أتباع البيرامية من الضرائب — حتى صار كثرة من ينتسبون إليها مشكلةً على خزانة الدولة. وله من الشعر التركي أربع قصائد فقط تُنسب إليه يقينًا، بلغة بسيطة ووزن مقطعيّ وموضوع التوحيد؛ وأشهرها نُطقه ذو الأبيات السبعة الذي مطلعه «خلق ربّي مدينةً بين العالَمين» ويختم بأن حاجي بيرام نفسه يؤذّن في مئذنة تلك المدينة — وقد نشأ حول هذه الأبيات أدبُ شروح كامل، أشهره شرح إسماعيل حقي البروسوي. وتوفي سنة 833 هـ الموافقة 1430 في أنقرة، ودُفن إلى جوار الجامع الذي أنشأه. (وسنة 833 هـ تمتدّ من أكتوبر 1429 إلى سبتمبر 1430، ومن هنا ترى في المصادر التاريخين معًا.) وانقسمت الطريقة بعده فرعين: «الشمسية» حول آق شمس الدين المتوفى سنة 1459 بذكرٍ جهريّ ومراسم ظاهرة، و«الملامية البيرامية» حول عمر السكّيني المتوفى سنة 1475 بذكرٍ خفيّ وإخفاءٍ متعمَّد لعلامات التصوف — وصار هذا الفرع من أكثر التيارات إثارةً لريبة الدولة العثمانية. ومن الشمسية تفرّعت التنّورية والهمّتية، وبالهمّتية وصلت الطريقة إلى العصر الحديث. وحتى سلسلة النسب الروحي محلّ خلاف في المصادر: تُساق مرةً عبر حميد الدين الأقسرائي إلى الخلوتية، ومرةً عبر أبي يزيد البسطامي إلى خطوط نقشبندية. وهنا وصلٌ يعني القارئ العربي: آق شمس الدين الذي خلف حاجي بيرام على الطريقة نحو سنة 1429–1430 هو نفسه شيخ محمد الفاتح الذي ثبّت السلطان وجيشه في أحرج لحظات حصار القسطنطينية سنة 1453، وخطب أول جمعة في آيا صوفيا بعد الفتح، وإليه تُنسب في المصادر العثمانية معرفة موضع قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه بطلب من الفاتح. فالسلسلة من ضريح أنقرة هذا إلى أيوب سلطان في إسطنبول سلسلة موثّقة لا اختراع سياحيّ. ونضبط تفصيلة: آق شمس الدين مدفون في غويْنوك بولاية بولو، لا في أنقرة ولا في إسطنبول. أما الجامع فبُني سنة 1427–1428 الموافقة 831 هـ، ونشأ ابتداءً زاويةً لا جامعًا جامعًا. ومعماره الأول مجهول بنصّ المصادر التركية؛ وتسمّي ويكيبيديا الإنجليزية «معمار محمد بك» بلا سند، فنُرجّح الرواية التركية. وهو مبنى متواضع من العمارة العثمانية المبكرة لا مسجد قباب إمبراطوري: أساس حجريّ وجدران آجُرّية وسقف قرميديّ، ومسقط مستطيل طوليّ، وحرم بصحن واحد بسقف خشبي، ومئذنة ذات شرفتين على قاعدة حجرية مربعة ببدن أسطواني من الآجُرّ. وهنا نصحّح رقمين يتداولان عن ويكيبيديا الإنجليزية — «مئذنة بخمسين مترًا وقبة بثلاثين» — وهما يناقضان الوصف الرسمي للمبنى، بل لا قبة حجرية ضخمة فيه أصلًا. ومن أصله لم يبقَ من الخزف إلا رقعة صغيرة: بلاطات كوتاهية من القرن الثامن عشر تحت مِحفل المؤذّن، وما عداها على الجدران خزف مجدَّد متأخر — فلا يُقال إن داخل الجامع كلّه بلاط تاريخي. والمنبر خشبيّ بنقش مصبوغ رفيع، وكل النقش المصبوغ على الخشب في الجامع منسوب إلى «نقّاش مصطفى». ورُمّم سنة 1714 على يد محمد بابا وهو من ذرّية حاجي بيرام نفسه، ثم سنة 1940 على يد المديرية العامة للأوقاف، ثم ترميم كبير أنجزته بلدية أنقرة الكبرى وافتُتح في 14 فبراير سنة 2011 برفع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 6,500 مصلٍّ (4,500 داخلًا و1,500 في الساحة). وإلى جواره ضريح ثانٍ يغفله أكثر الزوّار: ضريح عثمان فاضل باشا من القرن الثامن عشر، مثمّن بقبة قائمة على جدرانه مباشرة. ويُصحَّح هنا خطأ شائع: الموقع مدرج على القائمة التمهيدية لليونسكو منذ سنة 2016، وليس مسجَّلًا في قائمة التراث العالمي. وأما المعبد الملاصق فهو معبد أوغسطس وروما، بُني نحو سنة 25–20 قبل الميلاد بعدما ضمّت روما وسط الأناضول وجعلت أنقرة — أنكيرا — عاصمةً لولاية غلاطية، وأهداه أحد أفراد البيت الملكي الغلاطي من ذرّية أمينتاس ولاءً لأوغسطس. وأُقيم فوق حرم فريجيّ أقدم للإلهة كيبيلي والإله «مِن». وبعد وفاة أوغسطس سنة 14 ميلادية نُقشت على المعبد «أعمال أوغسطس الإلهي» — سيرته بقلمه وبصيغة المتكلم — باللاتينية في داخل الرواق الأمامي، وبترجمة يونانية على الجدار الجنوبي الخارجي للحجرة. والنسخة البرونزية الأصلية في روما ضاعت، فصارت نسخة أنقرة أكمل نسخة باقية في العالم والوحيدة التي حفظت النصّين معًا. وقد سمّاها المؤرخ الألماني تيودور مومسن «ملكة النقوش» — والتسمية منسوبة إليه بعينه لا مجهولة القائل. وطريفة يعرفها المختصون: النصّ اليوناني ليس ترجمة حرفية، فيه أخطاء وإعادة صياغة قُصد بها تقريب المعنى من قارئ يوناني في الأقاليم — أي أن الدولة الرومانية كيّفت دعايتها لجمهورها المحلي. وهنا أهمّ تصحيح في الصفحة: الجامع لم يُحوَّل عن المعبد ولم يُبنَ داخله. المعبد حُوّل إلى كنيسة في القرن الخامس الميلادي، أما الجامع فبناء إسلامي مستقلّ من القرن الخامس عشر أُقيم مستندًا إلى جدار المعبد من جهته الشرقية، والمعبد اليوم موقع أثريّ مسيَّج قائم بذاته. وقد أُدرج على قائمة «صندوق الآثار العالمية» للمراقبة سنتي 2002 و2004، ودخول داخله يُقيَّد من حين لآخر لأعمال الصيانة — فتوقّع أن تراه ولا تدخله. والضريح ملاصق للجامع من جهة القبلة، بُني سنة 1429 بمسقط مربّع ورقبة مثمّنة وقبة مغطّاة بالرصاص. وقد درست جامعات تركية ظاهرة الزيارة فيه دراسةً اجتماعية، فسجّلت تدفّقًا متصلًا على مدار السنة وفي كل ساعات النهار، وذروةً يوم الجمعة، وأن أكثر من يقصده: طلاب قبل مواسم الامتحانات، وأصحاب همّ وحاجة، وأسر قبل عرس أو ختان. والذي رصدته تلك الدراسات أن الزائر يدعو الله متوسّلًا بحاجي بيرام. ونحن نقرّر هذا وصفًا لما يجري كما رصده باحثون أتراك، لا فتوى ولا ترغيبًا: ومسألة التوسل عند القبور من مسائل الخلاف المعروفة بين أهل العلم، وللقارئ أن يرجع فيها إلى من يثق بعلمه. وننبّه إلى أننا لم نجد توثيقًا لأيّ طقوس أخرى في هذا الضريح بعينه من ربط خِرَق أو ترك نقود أو ذبائح، فلا ننسب إليه ما يُروى عن أضرحة أخرى.

الموقع في حيّ أولوس بمنطقة ألتينداغ، على السفح تحت قلعة أنقرة. أقرب محطة مترو أولوس على الخط M1 (كيزيلاي–باتيكنت)، ومنها نحو ست دقائق مشيًا. ومن كيزيلاي: المترو أو الميني باص إلى ميدان أولوس ثم نحو عشر دقائق مشيًا صعودًا شرقًا. والموقع في قلب مثلث يُمشى كلّه: متحف حضارات الأناضول وقلعة أنقرة على مرمى قدم، فتُصنع منها نصف يوم متصل بلا سيارة. واللباس: الجامع عامل، فيلزم ستر الكتفين والركبتين للرجال والنساء، وغطاء رأس للنساء — ويتوفّر عند المدخل عادةً — وخلع الحذاء قبل دخول الحرم.

موسم السباحة: الزيارة صالحة في كل الفصول لأن الجامع والضريح مغلقان، وإن كانت الساحة مكشوفة وشتاء أنقرة قارسًا وصيفها حارًّا جافًّا. ويكفي الموقعَ من خمس وأربعين دقيقة إلى تسعين: الجامع والضريح والمعبد والساحة. ومن ضمّه إلى قلعة أنقرة ومتحف حضارات الأناضول احتاج نصف يوم. والأجواء تتبدّل بالموسم أكثر مما تتبدّل بالطقس: رمضان وليالي القنديل تحوّل المكان إلى شيء آخر تمامًا في الزحام والحياة، ومن أراد الهدوء فضحى يوم عاديّ.

المتحف الإثنوغرافيمتحف

المتحف الإثنوغرافي

المتحف الإثنوغرافي بأنقرة أهمّ متحف للفنون التركية الإسلامية في العاصمة، ويقع على تلّة «نمازغاه» بين أولوس القديمة وكيزيلاي الحديثة. واسم التلّة يفسّر طبقاتها: «نمازغاه» تعني مصلًّى مكشوفًا، وكانت الأرض وقفًا يُصلّى فيها الجمعة وتُقام فيها التجمعات الوطنية والدينية — بما فيها تجمعات زمن حرب الاستقلال. (ونصحّح هنا ما يتردد أحيانًا من أنها كانت مقبرة: المصادر تقول مصلّى مكشوفًا لا مقبرة.) وقد بُني المتحف بين سنتَي 1925 و1927 بتصميم المعماري عارف حكمت قويون أوغلو على طراز «العهد المعماري الوطني الأول»، وهو مبنى من طابق واحد مساحته 854 مترًا مربعًا فيه عشر قاعات عرض وبهو وجناح إداري، مكسوّ بحجر الكوفكي مع رخام في الجبهة، وفي وسطه قاعة مقبّبة. وأمام المتحف تمثال أتاتورك الفارس من البرونز، يظهر فيه بزيّ المشير وعباءته، نحته الإيطالي بييترو كانونيكا إثر مسابقة أعلنتها وزارة المعارف سنة 1927، ووُضع على قاعدته في التاسع والعشرين من أكتوبر 1927 وأُزيح عنه الستار في الرابع من نوفمبر من تلك السنة، وقد صُبّ في إيطاليا ونُفّذت نقوش قاعدته في البندقية — ويوصف بأنه أول نصب لأتاتورك يُقام في أنقرة الجمهورية. وكانونيكا نفسه صاحب نصب النصر في أولوس ونصب الجمهورية في تقسيم بإسطنبول وتمثال أتاتورك الفارس في إزمير. أما المتحف فقد عُيّن أول مديريه حامد زبير قوشاي في الأول من يونيو سنة 1927 وهو التاريخ الذي تعدّه الوزارة تأسيسًا رسميًّا، وكان وراء توجيهه وجهةً إثنوغرافية لا أثرية عالِمُ التركيات المجري جولا ميساروش، وترأس لجنة الاقتناء خليل أدهم إلدم. ثم كان له افتتاحان: احتفاليّ في مايو سنة 1928 تزامن مع زيارة الملك أمان الله خان ملك أفغانستان في السابع والعشرين من مايو، ثم الافتتاح للجمهور في الثامن عشر من يوليو سنة 1930 — وهذا هو تاريخ فتحه متحفًا، لا 1925 ولا 1927 كما يتردد. لكن أعظم ما في هذا المبنى ليس مجموعته: هنا رقد جثمان مصطفى كمال أتاتورك خمس عشرة سنة. توفي في قصر دولمة بهجة بإسطنبول في العاشر من نوفمبر سنة 1938 الساعة 09:05، فنُقل بسفينة حربية إلى إزميت ثم بالقطار إلى أنقرة فوصلها في العشرين من نوفمبر، وأُقيمت له مراسم الدولة أمام مبنى المجلس الثاني — وهو اليوم متحف الجمهورية — ثم جُرّ نعشه على عربة مدفع تجرّها الخيل إلى هذا المتحف، فوُضع فيه في الحادي والعشرين من نوفمبر سنة 1938 في تابوت من خشب الماهوغني داخل ناووس من الرخام الأبيض. والموضع بعينه ليس قاعة جانبية: هو الفناء الداخلي المعمَّد في بهو المدخل، وقد نُقل الحوض الرخامي الذي كان في وسطه إلى الحديقة وسُقّف الفناء ليصير ضريحًا مؤقّتًا — أي أنه أول ما تدخله حين تدخل المتحف. ثم نُقل الجثمان إلى أنيت كابير في العاشر من نوفمبر سنة 1953، في الذكرى الخامسة عشرة لوفاته باليوم. (وتذكر ويكيبيديا الإنجليزية الرابع من نوفمبر، والمعتمد ما تقوله الصفحة الرسمية للوزارة ونقشُ المتحف نفسه: العاشر.) وأُعيد فتح المتحف للزوّار سنة 1956 بعد رفع الضريح وإعادة تركيب القاعات. وهنا تصحيح لا بدّ منه: كثير من المحتوى العربي يقدّم الرخام الذي تراه اليوم في ذلك الفناء على أنه قبر أتاتورك — وهو قبر رمزيّ فارغ. فبعد النقل رُتّب الموضع نصبًا تذكاريًّا: قاعدة من الرخام الأبيض عليها لوح نقشه طلاب معهد البناء بأنقرة يذكر أن أتاتورك الذي «بلغ الخلود» في 10.11.1938 رقد في هذا المكان من 21.11.1938 إلى 10.11.1953، وعلى الجدران حوله صور وفاته وجنازته فيما يسمّيه المتحف «ركن أتاتورك». فالرخام باقٍ والجسد ليس فيه منذ 1953. وأما المجموعة فهي — عمليًّا — مجموعة فنون تركية إسلامية لا فولكلور فحسب، وهذا ما لا يتوقّعه الزائر العربي. تختلف المصادر في حجمها اختلافًا واسعًا: بين نحو عشرين ألف قطعة وثمانية وعشرين ألفًا وأربعين ألفًا — فنقول عشرات الآلاف. وتتوزّع على نحو عشر قاعات: الأعمال الخشبية، والمخطوطات والخطّ، والأسلحة، والخزف والقيشاني، وبيت أنقري بأثاثه، والفخار، والزجاج، والمعادن، والسجّاد والكِلِم. وأعمالها الخشبية في جوهرها محاريب ومنابر وأبواب مساجد وكراسيّ وعلّامات مصاحف (رحلات) نُقلت من مساجد ومدارس العهدين السلجوقي والبيليكي في أنحاء الأناضول — فمن عرف أخشاب مساجد القاهرة أو دمشق يعرف هذه المفردات فورًا. ومعها سجّاد أوشاق وغورديس وبرغامة، ومعادن عثمانية، وقيشاني إزنيق وكوتاهية، وزجاج تركي، وحليّ، وأزياء إقليمية، ومخطوطات وخطّ فيها مجموعة بسيم أتالاي. وفيه كذلك غرف تمثّل الحياة الأناضولية، منها غرفة الختان وركن لتقديم القهوة التركية. وخمس قطع لا ينبغي تفويتها. أولاها عرش خشبي للسلطان السلجوقي كيخسرو الثالث من القرن الثالث عشر، وهو أشهر ما في المتحف. وثانيتها منبر الجامع الكبير بسِعِرد، وهو تحفة الكوندكاري: ألواح هندسية متشابكة مركَّبة بلا مسمار ولا غراء — وهي عائلة الصنعة نفسها التي نعرفها في منابر القاهرة وحلب المملوكية. وثالثتها — وهي التي تربط هذه الصفحة بصفحة جامع أصلان خانة عندنا — السندوقة الخشبية لأخي شرف الدين: تابوت من خشب الجوز من القرن الرابع عشر نُقل إلى هذا المتحف سنة 1933 من تربة أخي شرف الدين المقابلة لجامع أصلان خانة والمؤرَّخة سنة 1350، وعليه نقوش محفورة فيها اسم صاحبه وآيات قرآنية منها آية الكرسي. أي أن زعيم الأخيّة في أنقرة في تربته هناك وتابوته هنا. ورابعتها بوابة مدرسة شلبي سلطان بمرزيفون، وخامستها محراب جامع طاشكين باشا بأورغوب — عمارة كاملة رُفعت إلى داخل القاعات. ومعها منبر ومحراب من القرن الثاني عشر وأبواب مدارس من الخامس عشر. وإلى جوار المتحف مباشرة متحف الدولة للرسم والنحت، من تصميم المعماري نفسه، وكان في الأصل مقرّ «الأوجاق التركي». وقد أُغلق نحو ثلاث سنوات للترميم وأُعيد افتتاحه في الثامن والعشرين من ديسمبر سنة 2020، وكان عاملًا سنة 2025 يستضيف المعارض. وننبّه إلى فرق إداريّ يفسّر ارتباكًا يقع فيه الزوّار: هذا المتحف يتبع المديرية العامة للفنون الجميلة لا مديرية المتاحف، ولذلك لا يظهر على بوابة المتاحف وتختلف فيه تغطية البطاقات — بل ويختلف يوم إغلاقه الأسبوعي عن جاره: فالإثنوغرافي مذكور في الوزارة مفتوحًا كل يوم، بينما تُدرج قوائم لمتحف الرسم والنحت إغلاقًا يوم الاثنين. فمن أراد الاثنين معًا فليتحقّق من كلٍّ على حدة.

المتحف على الطريق القديم بين أولوس وكيزيلاي، فهو في منتصف المسافة بين المدينة القديمة والمدينة الحديثة. وأقرب محطتَين: أولوس شمالًا وصحّية جنوبًا، وكلتاهما على نحو عشر إلى خمس عشرة دقيقة مشيًا — والمتحف بينهما. وأنفع ما يُقال هنا: تُسيّر بلدية أنقرة الكبرى حافلة دائرية مجانية لمركز أولوس التاريخي بدأت سنة 2020، تنطلق من موقف الجولة المقابل لمحطة مترو أولوس، ومن محطاتها «المتحف الإثنوغرافي — متحف الرسم والنحت»، ومعها متحف حضارات الأناضول وقلعة أنقرة وسمان بازاري وجامع مليكة خاتون — فتأكّد من استمرارها قبل الاعتماد عليها. وأفضل ترتيب لنصف يوم مشيًا: قلعة أنقرة ← متحف حضارات الأناضول ← جامع أصلان خانة ← المتحف الإثنوغرافي ← حمام أونو.

موسم السباحة: المتحف مغلق ومكيَّف فيصلح في كل الفصول، وهو من أفضل ما يُقصد في يوم مطير أو شديد البرودة في أنقرة. وأخصّ أيامه العاشر من نوفمبر: ذكرى وفاة أتاتورك، وهو التاريخ نفسه الذي نُقل فيه جثمانه من هذا المتحف إلى أنيت كابير سنة 1953 — فمن زار المتحف في صباح ذلك اليوم ثم أنيت كابير مساءً يكون قد قطع الطريق نفسه الذي قطعه الجثمان. والزيارة المريحة ضحى أيام الأسبوع، فالقاعات صغيرة والزحام يفسدها.

حديقة كوغولو (البجع)حديقة

حديقة كوغولو (البجع)

حديقة كوغولو — «حديقة البجع» — أصغر حدائق أنقرة الشهيرة وأحبّها إلى أهلها. تقوم على جادة أتاتورك في حيّ كافاكلي ديره بمنطقة تشانقايا، في قلب حيّ السفارات، ويسمّيها الناس اختصارًا «تونالي» نسبةً إلى شارع تونالي حلمي الملاصق. ومساحتها صغيرة فعلًا: تختلف المصادر بين هكتار واحد ونحو سبعة آلاف وسبعمئة متر مربع — فالأسلم أن يقال دون الهكتار، نحو ثمانية آلاف متر مربع، أي نحو واحد على خمسة وثلاثين من مساحة حديقة الشباب. ومع ذلك فحضورها في حياة أنقرة أكبر من حديقة الشباب نفسها. أُنشئت سنة 1958 على أرض كانت واديًا يجري فيه جدول وتحفّه أشجار الحور — ومن هذا جاء اسم الحيّ نفسه «كافاكلي ديره» أي جدول الحور. ولم تكن محبوبة في أول أمرها، وإنما صارت ملتقى أنقرة المفضّل بعد إعادة تصميمها في السبعينيات في عهد رئيس البلدية وَدَاد دالوكاي — وهو نفسه المعماري صاحب تصميم جامع كوجه تبه المرفوض الذي صار جامع الملك فيصل في إسلام آباد. وفيها معلمان صغيران يعرفهما كل أنقريّ: منحوتة فولاذية اسمها «المتعانقان واقفَين» أهداها النحّات أتيلّا أونَران سنة 1977، وتمثال تونالي حلمي للنحّات أوميت أوزتورك المنصوب سنة 2006. وأمّا البجع فقصّته غير ما يُروى، وهذا أهمّ تصحيح في الصفحة. يشيع في المحتوى العربي أن أول البجع كان هدية من الصين في الخمسينيات — وفي هذه العبارة خطآن. فـالبجع الأبيض الذي أعطى الحديقة اسمها كان هدية من بلدية فيينا إهداءَ صداقة، ووُضع في البركة فسُمّيت الحديقة به («كوغو» بالتركية بجعة). وتذكر الصحافة التركية أن ذلك كان سنة 1975 وأن البجعتين سُمّيتا «فيينا» و«أنقرة» — والأحوط أن يقال هدية فيينا وأكثر الروايات على السبعينيات، وهو ما يوافق عهد دالوكاي. أما الصين فدورها حقيقي لكنه مختلف: بلدية بكين أهدت البجع الأسود في الثمانينيات ويُذكر أن اسمَيه «دنيز» و«ألماس». فالحكاية إذن التباس بين هديّتين: الأبيض من فيينا في السبعينيات، والأسود من بكين في الثمانينيات — والحديقة نفسها أقدم منهما، أُنشئت سنة 1958. وهل ما زال فيها بجع سنة 2026؟ نعم. ما زالت تضمّ البجع الأبيض والأسود معًا، ومعه إوزّ وبطّ برّي وبطّ بكيني، وتذكر مصادر تركية أن فيها نحو عشرين إلى أربعة وعشرين نوعًا من الطيور اليوم. لكن الأمانة تقتضي ذكر جدل قائم: في الثاني عشر من أبريل سنة 2024 وصفت «مبادرة حرية الحيوان بأنقرة» الحديقةَ علنًا بأنها «سجن حيوانات مكشوف في أنقرة»، وساقت اتهامات محدّدة: أن البركة لا تتجاوز نحو 370 مترًا مربعًا مقسّمة بأسلاك إلى ثلاثة أقسام نحو مئة وعشرين مترًا لكلّ قسم؛ وأن أجنحة الطيور مكسورة أو مقصوصة حتى لا تطير؛ وأن الطيور المهاجرة تُمنع من الهجرة؛ وأن شتاء أنقرة يجمّد الماء. وهذه اتهامات المبادرة ننسبها إليها بتاريخها، ولم نقف على ردّ من البلدية. ويُذكر في المقابل أن البركة رُمّمت سنة 2012 تحديدًا لتحسين ظروف الطيور المائية. ونعرض الأمر للقارئ ليقرّر بنفسه هل يزور مكانًا كهذا أو يتجنّبه. وللحديقة بُعد آخر ينبغي أن يعرفه الزائر، ونرويه وقائع بلا انحياز: كوغولو هي ملتقى أنقرة التقليدي للتجمّع والاحتجاج، بمنزلة ساحة المدينة الكبرى. ففي الحادي والثلاثين من مايو سنة 2013 تدخّلت الشرطة على متجمّعين فيها في سياق احتجاجات تلك السنة، وصارت خلال يونيو نقطةَ اللقاء اليومية المعترف بها للمتظاهرين في العاصمة وشهدت اعتصامًا. ومن تفاصيل تلك الأيام الإنسانية أن نحو خمسة وثلاثين من طيور الحديقة المائية أُجليت مؤقتًا حمايةً لها من الغاز المسيل للدموع. ومنذ ذلك الحين ظلّت الحديقة تستضيف وقفات في قضايا مدنية شتّى. ونذكر هذا لأن الزائر قد يجدها يومًا مزدحمة بغير الروّاد المعتادين، فيحسن أن يعرف لماذا.

الحديقة على جادة أتاتورك في كافاكلي ديره بمنطقة تشانقايا. وأقرب محطة كيزيلاي (تقاطع المترو والأنقراي)، ومنها مشيًا جنوبًا على جادة أتاتورك نحو عشرين دقيقة تقريبًا — والمسافة الدقيقة لم نتحقّق منها فنذكرها تقديرًا — أو بحافلة أو تاكسي قصير. وهي في قلب حيّ السفارات وعند سفح شارع تونالي حلمي، فالأمثل أن تُجعل جزءًا من نزهة في كافاكلي ديره: الحديقة، ثم مقهى في تونالي، ثم تجوال في الشارع. ولا تُقصد وحدها من بعيد — قيمتها في محيطها.

موسم السباحة: الربيع والخريف أجمل مواسمها، والصيف مساءً لطيف وشارع تونالي في أوجّه. والشتاء بارد وقد يتجمّد ماء البركة — وهذا أحد ما تأخذه مبادرة حقوق الحيوان على المكان. وأفضل وقت لرؤية البجع والطيور صباحات أيام الأسبوع قبل الزحام. وننبّه إلى أن الحديقة تُستعمل ملتقى للتجمّعات المدنية في أنقرة، فقد تجدها في يوم بعينه مزدحمة بغير روّادها المعتادين — وهو أمر معتاد في هذا المكان بالذات.

متحف حضارات الأناضولمتحف

متحف حضارات الأناضول

أول ما يلفت في متحف حضارات الأناضول أن وعاءه نفسه أثر: فالمتحف يشغل بنايتين عثمانيتين متجاورتين في حيّ آت بازاري تحت أسوار قلعة أنقرة مباشرة. الأولى «بدستان محمود باشا»، سوق الأقمشة المسقوف الذي بناه محمود باشا أحد وزراء السلطان محمد الفاتح بين سنتَي 1464 و1471. والثانية «كورشونلو خان»، وكانت وارداته وقفًا يُنفَق على أعمال البرّ في إسطنبول. فالزائر يدخل من عمارة إسلامية من القرن الخامس عشر ليقف بعد خطوات أمام أواني العصر الحجري الحديث — وقف عثماني صار اليوم يحتضن أقدم ما في الأناضول. وقد خرب المبنيان في حريق سنة 1881 وظلّا مهجورين حتى بدأ الترميم سنة 1938 وانتهى سنة 1968، وإن فُتح القسم الأوسط من البدستان للزوار سنة 1943 والعمل جارٍ. وفكرة المتحف تعود إلى سنة 1921 حين بدأ جمع الآثار الحِثِّية من أنحاء البلاد بناءً على رغبة مصطفى كمال أتاتورك في إنشاء «متحف إيتي» أي المتحف الحِثِّي — و«إيتي» تسمية جمهورية مبكرة للحِثِّيين. ولما ضاق المقرّ الأول في «آق قلعة» داخل القلعة، وقع الاختيار على البدستان والخان المهجورَين فرُمِّما لهذا الغرض. ويرى مؤرخون أن المشروع كان جزءًا من تثبيت هوية وطنية تركية في عمق الأناضول القديم قبل اليونان وقبل الإسلام — وهذه قراءة باحثين ننسبها إليهم لا بيان متحف. ويحمل المتحف اعتمادًا أوروبيًّا رفيعًا: فاز بجائزة «متحف العام في أوروبا» لسنة 1997، وهي جائزة يمنحها «المنتدى الأوروبي للمتاحف» تحت رعاية مجلس أوروبا. وهنا تصحيح مهمّ يتكرر في المحتوى العربي والإنجليزي معًا: يُقال إنه «أول متحف أوروبي للعام»، وهذا غير صحيح — فالجائزة قائمة منذ سنة 1977 وأول من نالها متحف وادي آيرون بريدج في بريطانيا. والصواب أنه أول متحف تركي يفوز بها. ومصدر الغلط على الأرجح صياغة مضطربة في ويكيبيديا الإنجليزية نُقلت عنها بلا مراجعة. ويضمّ المتحف نحو 194,759 قطعة مسجّلة، وتُعرض معروضاته مرتّبةً بحسب العصور. والعرض يبدأ من العصر الحجري القديم ثم الحديث، وأشهر ما فيه من تشاتال هويوك: تمثال «المرأة الجالسة» من الطين المشويّ بين مسندَين برأسَي سِنَّور، مع غرفة معاد تركيبها بقرون الثيران المثبّتة في الجدار ولوحات الصيد والنمر. ثم عصر النحاس بفخار هاجيلار ودُماه، ثم البرونز المبكر بأقراص الشمس البرونزية ومعايير الأيائل من مقابر ألاجا هويوك الملكية — وهي أشهر ما يُستنسخ من المتحف. أما القسم الذي يعني القارئ العربي أكثر من غيره فقسم «مستعمرات التجارة الآشورية»: ألواح طينية مسمارية من كول تبه–كانيش قرب قيصري تعود إلى نحو 1950–1840 قبل الميلاد، وهي — بتعبير بريتانيكا — أقدم الوثائق التاريخية التي عُثر عليها في الأناضول. كتبها تجار قدموا من آشور في شمال العراق اليوم، بلهجة آشورية قديمة من الأكادية، وهي لغة سامية من أسرة العربية. أي أن أقدم كتابة عرفتها الأناضول كتابة رافدية بلسان سامي حملها تجّار قوافل. ثم القسم الحِثِّي وهو قلب المتحف: إناء إينانديك بأفاريزه الأربعة التي تصوّر طقس زواج مقدّس، وأبو الهول من بوابة ألاجا هويوك، وأسود بوغازكوي في القاعة الوسطى. وإلى جانبه القسم الحِثِّي المتأخر بألواح كركميش المنحوتة — من الجدار الطويل وجدار المنادي وطريق المواكب — وفيها فتية يحملون قرابين في موكب الإلهة كوبابا، وتمثال الملك موتالو ملك كوموخ نحو سنة 700 ق.م. وكركميش نفسها موقع يشطره الحدّ التركي السوري اليوم عند جرابلس، وهي المذكورة في التوراة وفي سجلات مصر وآشور بمعركتها سنة 605 ق.م. ثم الفريجيون بأثاث الخشب المطعّم والمراجل البرونزية من التلّ الكبير في غورديون — ويُنبَّه إلى أن التلّ يُسمّى عرفًا «تلّ ميداس» بينما يرجّح الباحثون أن صاحبه ملك أسبق، غالبًا أبوه غورد��اس. ثم الأورارتيون وعناصر معبد الملك روسا الثاني، ثم القسم الكلاسيكي والروماني وقسم أنقرة القديمة ومجموعة النقود في الطابق السفلي. وأشهر معروضات تشاتال هويوك لوحة جدارية من الطبقة السابعة تعود إلى نحو 6600 ق.م.، وحولها خلاف علميّ ينبغي أن يُروى كما هو لا أن يُحسم. مكتشفها جيمس ميلارت قرأها مخطّطًا للبلدة من علوٍ وخلفها بركان حسن داغ ثائرًا، وسمّاها أتباعه «أقدم خريطة أو أقدم منظر طبيعي في العالم». وفي المقابل نشرت ستيفاني ميس في مجلة «دراسات أناضولية» العدد 56 سنة 2006 قراءة أخرى: أن «البركان» جلد نمر وأن «البلدة» نقش هندسي مجرّد — واستدلّت بأن هذا كان تفسير ميلارت نفسه أولًا قبل أن يغيّره، وبأن صور السنّوريات تملأ رسوم الموقع. وجاءت سنة 2014 دراسة في مجلة «بلوس ون» بقيادة أكسل شميت أرّخت زركون حسن داغ إلى نحو 8,970 سنة مضت بهامش 640، فأثبتت أن ثورانًا انفجاريًّا كان ممكنًا ومعاصرًا للطبقة — وهي تؤرّخ الثوران لا تفسّر اللوحة. فالأمانة أن يقال: لوحة يقول مكتشفها إنها أقدم خريطة، ويقرؤها آخرون جلد نمر. وثمة ما يوجب هذا التحفّظ تحديدًا: ففي فبراير سنة 2018 فحص فريق بقيادة إبرهارد تسانغر رئيس مؤسسة «الدراسات اللوفية» مكتب ميلارت في لندن بعد وفاته، وخلص إلى أنه زوّر ترجمات لوثائق من العصر البرونزي المتأخر سنوات طويلة، وأنه كان يعمل بالكتابة اللوفية الهيروغليفية رغم ادّعائه أنه لا يقرؤها، وأنه ترك ألواح إردواز محفورة عليها رسوم تمهيدية لجداريات قال إنه وجدها في تشاتال هويوك. وننسب هذا الكشف إلى تسانغر بالاسم كما هو حقّه، ونقيّده بقيدين: أنه جاء بعد وفاة الرجل فلم يُسمع دفاعه، وأنه لا يُبطل حفرية تشاتال هويوك نفسها — فالموقع حقيقي ومدرج في قائمة اليونسكو وأعاد إيان هودر حفره بمعايير حديثة بين 1993 و2018. لكنه يفرض أن تُذكر تفسيرات ميلارت — من الأمّ الإلهة إلى الخريطة — بوصفها محلّ نظر، وأن تُذكر القطع في الفاترينات بوصفها حقائق. وآخر ما يجب أن يعرفه زائر 2026: المتحف دخل في مايو 2026 مرحلة إعادة عرض كبرى أعلنها وزير الثقافة والسياحة محمد نوري إرسوي، تشمل عرض 288 قطعة لأول مرة، ومسارات زيارة معاد تصميمها، وإضاءة ومنصّات جديدة لقطع بعينها ذُكر منها تمثال الإلهة كيبيلي، وعرضًا معادَ تركيبه لموقع غوبكلي تبه. أما قاعات أنقرة والعصر الكلاسيكي والطابق السفلي فمؤجَّلة إلى مرحلة لاحقة — أي أنها قد تكون مغلقة وقت زيارتك. فأيّ وصف تفصيلي لترتيب القاعات في الأدلة (وفي هذه الصفحة) يُقرأ على أنه ما قبل التجديد أو أثناءه، والتأكد من الموقع الرسمي قبل الذهاب أوفر لوقتك.

المتحف في حيّ آت بازاري بأولوس على العنوان: Gözcü Sokak No: 2, 06240 Ulus. من كيزيلاي خذ مترو أنقرة على الخط M1 إلى محطة أولوس — محطتان فقط — ثم امشِ نحو ربع ساعة صعودًا باتجاه القلعة. ونقولها صريحة لأن الأدلة تسكت عنها: الجزء الأخير صعود حقيقي على حصى مرصوف، شاقّ في حرّ الصيف وزلِق في شتاء أنقرة، ومن كان معه كبار سنّ أو عربة طفل أو يجد في المشي مشقّة فليأخذ تاكسي من كيزيلاي — والمشوار قصير ورخيص. والمشي من كيزيلاي كلّه ممكن في 35–45 دقيقة لكنه على شارع أتاتورك بلا متعة تُذكر. ولأن المتحف يقع تحت القلعة لا داخلها، فالترتيب الأوفر: المتحف أولًا ثم اصعد إلى القلعة ثم انزل — فتصعد مرة واحدة.

موسم السباحة: المتحف مغلق ومكيَّف فيصلح في كل الفصول، وهو من أفضل ما يُقصد في يوم مطير أو شديد البرودة في أنقرة. لكن الطريق إليه مكشوف وصاعد: فالصيف يقتضي الذهاب باكرًا بعد الفتح، والشتاء يقتضي حذرًا من الجليد على الحصى. والزيارة المعتادة من ساعة إلى ساعتين، ونرشّح لقارئ التاريخ ساعتين ونصفًا. والقلعة فوقه أجمل قبل الغروب بساعة، فمن أراد الجمع بينهما بدأ بالمتحف بعد الظهر.

أنيت كابير (ضريح أتاتورك)معلم

أنيت كابير (ضريح أتاتورك)

أنيت كابير ضريح مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، وهو أكثر من قبر: مجمّع تذكاري وطني على تلّة تشرف على أنقرة كلها. واختيار الموضع نفسه فيه من الدلالة ما فيه — فقد وقع الاختيار على تلّة «راصاتْ تبه» أي تلّة الرصد، لأنها مركزية تُرى من كل أنحاء المدينة، وسُمّيت بعد البناء «أنيت تبه» أي تلّة النصب. وعلى هذه التلّة كانت تقوم تلال دفن فريجية ترجع إلى حضارة قامت في الأناضول في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ولمّا تقرّر البناء أُجريت حفريات أثرية لرفع هذه التلال، فأخرجت لُقًى فريجية تُعرض اليوم في متحف حضارات الأناضول على بُعد دقائق. أي أن أحدث نصب في الجمهورية قائم فوق مقبرة عمرها ثلاثة آلاف سنة، وأن جنائز التلّة الأولى تُشاهَد في متحف قريب — وهي مفارقة قلّما يذكرها دليل عربي. أما التصميم فجاء بمسابقة معمارية دولية فتحتها الحكومة التركية في الأول من مارس سنة 1941، ووُضعت شروطها بالتركية والفرنسية وفق ميثاق المعماريين الدولي. ومُدّت مهلة التقديم أربعة أشهر إضافية بقرار من مجلس الوزراء لأن المتسابقين لم يُتمّوا في الوقت، فصدرت النتائج سنة 1942. وعدد المشاريع محلّ خلاف: ويكيبيديا الإنجليزية تقول تسعة وأربعين مشروعًا من تركيا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا، والموقع الرسمي للضريح يقول سبعة وأربعين من تركيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا والسويد وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا — فنذكر المدى ولا نجزم برقم. ولجنة التحكيم ستة: المعماري الألماني باول بوناتس، وإيفار تِنغبوم، والمجري كارولي فيتشينغر، مع ثلاثة أتراك هم عارف حكمت هولتاي ومعمّر تشاووش أوغلو ومحلص سرتل. والنتيجة أدقّ مما يُروى عادةً: لم تُرتّب اللجنة فائزًا أوحد، بل كافأت ثلاثة مشاريع معًا ولم ترَ أحدها جديرًا بجائزة تعلو الآخرَين. الثلاثة: التركيان أمين أونات وأحمد أورهان أردا، والإيطالي أرنالدو فوسكيني، والألماني يوهانس كروغر. وويكيبيديا الإنجليزية تصف فوسكيني وكروغر بأنهما نالا مركزًا ثانيًا مشتركًا، بينما الرواية الرسمية التركية تنفي أيّ ترتيب — ونذكر الروايتين. ثم اختارت الحكومة مشروع أونات وأردا، وحجّة تقرير اللجنة أن عمل التركيَّين عبّر عن الموضوع الوطني تعبيرًا أنجح وأن ملاءمته للموقع تفوق البقية بكثير — أي أن الفوز حُجَّ بالتعبير الوطني وملاءمة الأرض، لا بالتفوق التقني وحده. ونال خمسة مشاريع أخرى تنويهًا، منها للسويسري رولاند رون والإيطاليَّين جوفاني موتسيو وجوزيبي فاكارو. والأسلوب ينتمي إلى ما يسمّيه مؤرخو العمارة «الحركة المعمارية الوطنية الثانية» في تركيا بين 1940 و1950: بناء ضخم متناظر مكسوّ بالحجر المنحوت مع عناية بالغة بالصنعة، في توليف حديث بين عناصر سلجوقية وعثمانية وإشارات إلى حضارات الأناضول القديمة من حِثِّية وفريجية. وُضع حجر الأساس في التاسع من أكتوبر سنة 1944، ومضى البناء في أربع مراحل على تسع سنين: تهيئة الأرض والجدران الساندة، ثم مبنى الضريح ومنشآت ساحة المراسم، ثم الطرق والتبليط الحجري والطابق العلوي، ثم أرضيات قاعة الشرف والأقبية وأعمال الرخام. واكتمل في أكتوبر سنة 1953، مع أن مصدرًا يذكر افتتاحه في الأول من سبتمبر من السنة نفسها — وهو تعارض ظاهر لا نُملّسه: الأرجح أن الموقع فُتح قبل انتهاء كل الأعمال. وهنا فصل قلّ من يرويه بالعربية: جثمان أتاتورك ظلّ منذ وفاته سنة 1938 محفوظًا في متحف الإثنوغرافيا بأنقرة خمس عشرة سنة كاملة في انتظار اكتمال الضريح، ثم نُقل بمراسم دولة إلى غرفة القبر في العاشر من نوفمبر سنة 1953 — في الذكرى الخامسة عشرة لوفاته باليوم نفسه. ويصعد الزائر إلى الضريح على «طريق الأسود» بطوله 262 مترًا وعرضه نحو 12.8 مترًا. وعلى جانبيه أربعة وعشرون أسدًا في اثني عشر زوجًا، ترمز إلى قبائل الأوغوز التركية الأربع والعشرين، وقد نُصبت أزواجًا رمزًا لوحدة الأمة وتضامنها. وهنا خطأ شائع ينبغي حسمه: يتردد في محتوى كثير أن الأسود ستة وعشرون — وهو مستحيل حسابيًّا مع اثني عشر زوجًا — ويتردد في محتوى آخر أنها «أربعة وعشرون زوجًا» أي ثمانية وأربعون أسدًا، وكلاهما غلط. والعدد أربعة وعشرون أسدًا. أما الرقم ستة وعشرون فينتمي إلى شيء آخر تمامًا: سلّم مدخل طريق الأسود وفيه ستّ وعشرون درجة ترمز إلى السادس والعشرين من أغسطس سنة 1922 يوم انطلاق الهجوم الكبير. فالرقمان اختلطا في التداول. والأسود منحوتة على الطراز الحِثِّي، وقد استلهمها النحّات حسين أنقا أوزكان من «أسد مرعش» الحِثّي المحفوظ في متحف إسطنبول الأثري — وهي تفصيلة تكاد تنعدم في المحتوى العربي. ويفصل بين بلاطات الطريق فراغ من خمسة سنتيمترات، ويقول كتّاب سياحيون إن ذلك يُلزم الزائر خفض بصره والمشي متمهّلًا — ونذكرها قولَهم لا بيانًا رسميًّا. ثم اثنتان وأربعون درجة بارتفاع ثمانية أمتار إلى قاعة الشرف، ومسقطها 41.65 في 57.35 مترًا وارتفاعها سبعة عشر مترًا وأعمدتها 14.4 مترًا. وفي صدرها التابوت الرخامي العظيم — وهنا أهمّ تصحيح في هذه الصفحة: هذا التابوت رمزيّ، وليس فيه جثمان أتاتورك. القبر الحقيقي في «غرفة المزار» المثمّنة في المستوى الذي تحت قاعة الشرف مباشرةً، بسقفها الهرمي وكوّتها المثمّنة. وفيها دُفن أتاتورك في التراب مباشرةً على السنّة في الدفن الإسلامي، لا موضوعًا فوق الأرض ولا معروضًا. أما التابوت الظاهر فكتلة واحدة تزن أربعين طنًّا جيء بها من أضنة وكُسيت جوانبها برخام أبيض من أفيون قره حصار. وهذا الخطأ — أن الجثمان في التابوت المرئي — أشيع ما يتكرّر في المحتوى العربي والإنجليزي معًا. وحول التابوت أوانٍ نحاسية فيها تراب، وقصّتها أدقّ مما يُتداوَل. كانت يوم الدفن سنة 1953 سبعًا وستين إناءً بعدد محافظات تركيا حينها، وهي اليوم ثلاثة وثمانون. والزيادة ليست محافظات فحسب: فيها تراب من حديقة بيت مولد أتاتورك في سالونيك باليونان، ومن قطاع المقبرة التركية في مقبرة الأمم المتحدة ببوسان في كوريا الجنوبية حيث جنود الحرب الكورية، ومن قبر سليمان شاه في سوريا، ومن شمال قبرص، ومن أذربيجان. ويتردد في المحتوى السياحي أن التراب «من المحافظات الإحدى والثمانين كلها» — وهو اشتقاق خاطئ من عدد المحافظات اليوم، والصواب سبع وستون عند الدفن وثلاث وثمانون الآن مع ترابٍ من خارج تركيا. وفي المجمّع قبر ثانٍ وحيد: قبر عصمت إينونو، ساعد أتاتورك الأول وبطل معركتَي إينونو وثاني رؤساء الجمهورية، دُفن هنا في الثامن والعشرين من ديسمبر سنة 1973 — دُفن ابتداءً ولم يُنقَل كما يُقال أحيانًا — أمام القسم الأوسط من الرواق المحيط، مقابلًا للضريح عبر ساحة المراسم. وترتيبٌ كهذا بيان معماري عن شراكة التأسيس. وفي المجمّع كذلك «متحف أتاتورك وحرب الاستقلال» المفتتح في الحادي والعشرين من يونيو سنة 1960، وفيه ثلاث بانوراما عملاقة لمعارك تشاناق قلعة وسقاريا والهجوم الكبير، تُعرض بمؤثرات صوتية ومجسّمات أمامية فيقف الزائر داخل المعركة. وقصّة صناعتها لافتة: رُسمت في مراسم كبيرة في روسيا وهولندا، ثم لُفَّت في أسطوانات بآلة صُنعت لهذا الغرض ونُقلت جوًّا إلى أنقرة. وفي المتحف سيارتاه من طراز لينكولن التي خدمت بين 1935 و1938، وسيارة كاديلاك موديل 1936 أهدتها له «تركيا إش بنكسي» في ذكراه العاشرة، ومكتبته الخاصة وفيها 3,123 كتابًا من كتبه افتُتحت في السادس والعشرين من يونيو سنة 2005، مع مقتنياته وأوسمته وتمثال شمعيّ له بالحجم الطبيعي إلى مكتبه الأصلي.

لا توجد محطة اسمها «أنيت كابير» — وهذه غلطة متكررة في المحتوى العربي. الوصول بخط «الأنقراي»، وهو خط القطار الخفيف القديم في أنقرة وليس خطوط المترو المرقّمة M، والنزول في محطة تانْدُوان. وقد أُعيدت تسمية ميدان تاندوان إلى «ميدان أنادولو»، فالمحطة تظهر على الخرائط واللافتات باسمَي «تاندوان (أنادولو)» — فاحفظ الاسمين معًا لئلا تحتار. وكيزيلاي في وسط المدينة موصولة بتاندوان مباشرة على الخط نفسه. ومن مخرج المحطة إلى بوابة تاندوان نحو ثلاثمئة متر في خمس إلى عشر دقائق صعودًا خفيفًا. وسبب اختلاف الأدلة — بين خمس دقائق وخمس عشرة — أنها تقيس شيئين مختلفين: المسافة إلى البوابة قصيرة، أما المشي داخل الحرم وصعود طريق الأسود بطوله 262 مترًا إلى قاعة الشرف فيضيف عشر إلى خمس عشرة دقيقة أخرى. فاحسب الاثنين معًا.

موسم السباحة: المجمّع مكشوف في معظمه فالربيع والخريف ألطف لزيارته، وصيف أنقرة حارّ جافّ وشتاؤها قارس. والزيارة الوافية تحتاج ساعتين إلى ثلاث: الحرم وقاعة الشرف والمتحف ببانوراماته الثلاث. وحاول أن يوافق وصولك تبديل الحرس على رأس الساعة، وتقدّم إليه بربع ساعة لتجد موقفًا. أما العاشر من نوفمبر — ذكرى وفاة أتاتورك — فيوم استثنائي: تُطلَق صفارات الإنذار في عموم البلاد الساعة 09:05 وهي لحظة وفاته سنة 1938، فيقف الناس دقيقتين صامتين وتتوقف السيارات ويترجّل أصحابها، ثم يُنكَّس العلم على أنغام النشيد الوطني. ويقام في الضريح احتفال الدولة الرسمي أولًا ولا يُسمح للجمهور بالدخول إلا بعد انتهائه، ويزور المكانَ في ذلك اليوم مئات الألوف. فمن جاء ليشهد الطقس الوطني فهذا يومه، ومن جاء ليرى العمارة والمتحف على مهل فليتجنّبه — وإن كان الحلّ الوسط أن المجمّع يبقى مفتوحًا في العاشر من نوفمبر حتى العاشرة مساءً، فزيارة المساء تجمع الأمرين.

حيّ حمام أونو التاريخيشارع

حيّ حمام أونو التاريخي

حمام أونو حيّ من بيوت خشبية عثمانية مرمَّمة في منطقة ألتينداغ بأنقرة، على نحو كيلومتر ونصف إلى كيلومترين جنوب شرق أولوس، ملاصقًا لحرم جامعة حاجت تبه ومستشفياتها. واسمه يعني حرفيًّا «أمام الحمّام»، والحمّام هو حمّام قره جه بك ضمن كلّية قره جه بك: بُدئ بناؤه سنة 1427 وأُتمّ سنة 1440 لواقفه جلال الدين قره جه بك قاضي العسكر في عهد السلطان مراد الثاني. والحيّ الذي خلفه عبر جادة طلعت باشا يسمّى «حمام أركاسي» أي «خلف الحمّام». وتصحيح أول: الحمّام ليس متحفًا — هو حمّام عامل يبيع خدماته إلى اليوم، مزدوج للرجال والنساء، وقد أُعيد إلى الخدمة بعد ترميم في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتصفه وكالة الأناضول بأنه من آخر الحمّامات التاريخية العاملة في أنقرة. (ولم تُنشر أسعاره ولا مواعيده لسنة 2026، فالاتصال قبل الذهاب أضمن.) وتاريخ الحيّ يفسّر شكله. توسّعت التجارة حول قلعة أنقرة من القرن الثالث عشر، وبلغ الحيّ ذروته في القرنين الخامس عشر والسادس عشر على ظهر صناعة الصوف الموهيري «السوف» الذي اشتُهرت به أنقرة في أوروبا كلها. ثم أصابته أضرار اضطرابات الجلالية في القرن السابع عشر، ثم الحرائق ومجاعة 1873–1875. وفي مطلع القرن العشرين جرت أعمال في جامع تاج الدين وتربته برعاية السلطان عبد الحميد الثاني. وفي زمن حرب الاستقلال سكنه كبار رجال الدولة وكانت فيه السفارة السوفييتية. ثم جاءت الهجرة الريفية بعد الخمسينيات وقانون الملكية الطابقية سنة 1965 فزحفت العمارات وتداعت البيوت. وفي الحيّ اليوم نحو ثلاثمئة مبنى، منها ثمانية آثار مسجَّلة واثنان وعشرون نموذجًا مسجَّلًا للعمارة المدنية — ومن آثاره: حمّام قره جه بك وجامعه، وجامع تاج الدين سلطان، وجامع حاجي إلياس، وجامع حاجي موسى، وجامع ساري قاضي، وجامع محمد شلبي، وبيت محمد عاكف أرصوي. وأما مشروع الترميم فهو قلب القصة، وينبغي أن يُروى بوجهيه. بدأته بلدية ألتينداغ ضمن مشروع سنة 2006 لتخطيط النسيج الحضري القديم في أنقرة وتأهيله وحمايته، وجرى معظم العمل الظاهر بين سنتَي 2008 و2013 بقيادة رئيس البلدية وَيْسَل تِريَاكي. وقد حوّل المشروع حيًّا متداعيًا فقيرًا محشورًا بين المستشفيات إلى أكثر أحياء أنقرة التاريخية زيارةً — وهذا إنجاز حقيقي وإنقاذ من الهدم لا يُنكَر. لكن المنهج نفسه محلّ نقد مهنيّ في تركيا، ونذكره لأن قارئنا يستحقّ أن يعرف ما يراه: العمل تركّز على الواجهات فرُمّمت من الخارج ولم تُعالَج الدواخل — وهو ما يسمّيه أهل الحفاظ «واجهيّة»؛ والمباني المنهارة أُعيد بناؤها من الصفر بحجر أنقرة والخشب والآجُرّ على طراز البيت الأنقري القديم. والمثال الأصرح: «شارع الفن» يتألف من اثنين وعشرين بيتًا أنقريًّا بُنيت بناءً جديدًا بالطراز التاريخي ووُزّعت على الفنانين منذ سنة 2010 — أي أنها ليست بيوتًا مرمَّمة أصلًا. والنقد الأكاديمي مسمّى لا مجهول: دراسة محكَّمة لـجيدا كورتار ومحمد صومونجو في «مجلة أبحاث أنقرة» سنة 2013 تناولت التغيّر المادي والاجتماعي الذي أحدثته الأعمال؛ وبحث آخر ناقش استعمال إعادة البناء أسلوبًا للحفاظ متّخذًا قصر كامل باشا في هذا الحيّ حالةً دراسية؛ وورقة مؤتمر تحلّل الحالة بوصفها تشريفًا حضريًّا بيد الدولة (soylulaştırma) قارنت بينها وبين وادي ديكمن. ويُذكر أيضًا أن رقم «أربعمئة بيت مُرمَّم» الذي تردّده الاتصالات البلدية يناقض الرصيد المسجَّل للحيّ (نحو ثلاثمئة مبنى، منها ثلاثون مسجَّلًا) — والأرجح أنه يشمل أعمال الواجهات والمباني الجديدة على الأرض الخالية، فلا نكتبه «أربعمئة بيت عثماني مُرمَّم». والخلاصة الأمينة: حمام أونو نجاح باهر بوصفه فضاءً عامًّا وإنقاذًا من الزوال، ومحلّ خلاف بوصفه حفاظًا على تراث. وهو أقرب إلى حيّ تاريخيّ مُعاد تمثيله ببراعة منه إلى حيّ عثماني سليم — ووصف بلديته نفسها يقرّ بأن المنهار أُعيد بناؤه. وله اعتماد أوروبي قابل للتحقّق: اختير سنة 2011 ضمن برنامج «الوجهات الأوروبية المتميّزة» (EDEN) بموضوع تلك السنة «تجديد الأماكن المادية»، والبرنامج تديره المفوضية الأوروبية — لا البرلمان الأوروبي كما تكرّره بعض المصادر التركية. والمشروع الفائز هو «التصميم الحضري والتأهيل في حمام أونو»، وقد تقدّم في التصفية الثانية على مرشّحين من مودورنو وصفرانبولو وطرسوس وكوتاهية، وأُقيم حفل التكريم في بروكسل. وهنا تصحيح مهمّ: EDEN اختيار وطني لكل دولة مشاركة لا لقب لأفضل وجهة في أوروبا؛ فحمام أونو كان اختيار تركيا لتلك السنة إلى جانب نحو عشرين وجهة أخرى في القارة. ومن كتب أنه «اختير أفضل وجهة في أوروبا» فقد ضخّم ما ليس بضخم. وأثمن ما في الحيّ ليس حجرًا بل ذكرى: هنا كتب محمد عاكف أرصوي النشيد الوطني التركي. فقد خصّص له شيخ تكية تاج الدين جناحَ الاستقبال (السلاملك) في زمن حرب الاستقلال حين كان عاكف نائبًا عن بوردور في المجلس الأول، وفي ذلك البيت كتب «النشيد الاستقلالي» الذي اعتمده المجلس في الثاني عشر من مارس سنة 1921. وقد صدر قرار بلدي سنة 1949 بجعل البيت متحفًا لكنه ظلّ مهملًا سنين، ثم رُمّم سنة 1982 وفُتح للزوّار سنة 1984 باسم «بيت متحف محمد عاكف أرصوي»، وهو اليوم إلى جوار جامع تاج الدين سلطان وتربته. وهنا فخّ يقع فيه المحتوى العربي والإنجليزي معًا: ثمة مبنيان في المنطقة يحملان اسم عاكف — بيت المتحف الذي كُتب فيه النشيد، و«مكتبة متحف محمد عاكف أرصوي الأدبية» التي افتتحتها وزارة الثقافة في الثاني عشر من مارس سنة 2011 (في ذكرى اعتماد النشيد) في بيت آخر مرمَّم بالحيّ وفيها نحو سبعة آلاف كتاب ومئة دورية. الثاني مكتبة وأرشيف لا بيته، فلا يُخلطان. وأما تكية تاج الدين نفسها فمجمّع صوفيّ: جامع تاج الدين سلطان وتربته ومبنى التكية، وشكلها الحالي مرتبط بأعمال جرت برعاية عبد الحميد الثاني في مطلع القرن العشرين. وقد أُغلقت التكايا والزوايا في تركيا كلها بقانون سنة 1925، فصار مبنى التكية اليوم بيتَ متحف عاكف، والجامع مسجدًا عاملًا. وحول ذلك في الحيّ قصور مرمَّمة صارت مقاهي ومراكز ثقافية — قصر كامل باشا وقصر بيناملي زاده وقصر قبقجي — ومساجد صغيرة تاريخية مجانية سريعة الزيارة. وأصدق نصيحة نقدّمها: المنتَج الحقيقي هنا هو الشارع نفسه — الحصى والواجهات الخشبية وأفنية المقاهي — لا المتاجر. ونقولها صريحة عن المطاعم: مطاعم «قصر بيبازاري» و«سفرة بيبازاري» تتاجر باسم بيبازاري وهي قضاء آخر يبعد نحو مئة كيلومتر ومنتجاته المشهورة (كعك بيبازاري الجافّ، وملبّس الجزر، والمياه المعدنية) تُباع هنا — الطعام لذيذ لكنه ليس مطبخ هذا الحيّ. ومن أطعمة أنقرة التي تُجرَّب هنا «أنقرة تاوا» والكعك الجافّ والجوزلمه والقهوة التركية في أفنية القصور.

الطريق الموثوق من كيزيلاي: خط «الأنقراي» إلى محطة كورتولوش باتجاه ديكيم إيفي، ثم نحو خمس دقائق مشيًا عبر محيط مستشفيات حاجت تبه. وننبّه إلى نصيحة خاطئة تتردد في بعض الصفحات: «خذ المترو إلى أولوس» — وهذا خيار أسوأ ومشيٌ أطول، فالصواب الأنقراي إلى كورتولوش. والمشي من كيزيلاي ممكن كذلك: نحو كيلومتر ونصف إلى كيلومترين في عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة صعودًا خفيفًا. ومن أولوس نحو عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة جنوبًا أو تاكسي قصير. وثمة خطوط حافلات تصل كورتولوش، لكن أرقامها تتبدّل فلا نثبّتها هنا. وتنبيه للوصولية: أزقّة الحيّ حصويّة مائلة، وهي شاقّة على كرسي متحرك وعلى حقائب العجل.

موسم السباحة: الربيع والخريف ألطف لأن التجربة كلها مشي في الهواء الطلق؛ وشتاء أنقرة قارس والحصى يزلق، وصيفها حارّ جافّ وإن كانت الأفنية المظلّلة تخفّف. وموسمه الأعظم رمضان بلا منازع: تقيم بلدية ألتينداغ في الحيّ برنامجًا رمضانيًّا كاملًا كل سنة — تُنصب فيه نحو مئة وعشرين خيمة وكشكًا بحسب أرقام البلدية، وتقام حفلات الموسيقى الصوفية والتركية الشعبية والفنية، وعروض السماع، وأمسيات الناي والشعر، وليالٍ أدبية بالشراكة مع اتحاد الأدباء الأتراك. ويأتيه الآلاف قبل الإفطار وبعده من أنقرة ومن خارجها، وموائد الإفطار في مطاعمه تُحجَز مبكرًا بوقت طويل. فالنصيحة العملية: احجز الإفطار مسبقًا، واصل قبل الأذان بوقت كافٍ، واعلم أن أجمل ساعاته ما بعد الإفطار إلى التراويح وآخر الليل. (ورمضان سنة 2026 يُتوقَّع نحو 18–19 فبراير إلى 19–20 مارس، والعبرة بإعلان رئاسة الشؤون الدينية.)

بحيرة إيميرطبيعة

بحيرة إيمير

بحيرة إيمير في قضاء غول باشي على نحو عشرين كيلومترًا جنوب وسط أنقرة، وهي أهدأ متنفّس طبيعي قريب من العاصمة. مساحتها 1.25 كيلومتر مربع، ومتوسط عمقها 3.1 أمتار، وطول شاطئها أحد عشر كيلومترًا، وتكوّنت بهبوط تكتوني مع ترسيب من الجداول التي تغذّيها. وأرضها ملك جامعة الشرق الأوسط التقنية — المعروفة اختصارًا بـ«أُودتو» — التي أُسّست بقانون خاصّ سنة 1956 وخُصّصت لها أرض تبلغ نحو خمسة وأربعين كيلومترًا مربعًا كانت البحيرة داخلها. وتديرها الجامعة يوميًّا عبر إدارة الخدمات الداخلية بمكتب مخصّص لها. وأهمّ ما في هذه الصفحة تصحيح، لأنه أشيع غلط يُكتب عن إيمير بالعربية والإنجليزية معًا: يُقال إنها مغلقة أمام الجمهور أو إن دخولها يقتصر على منتسبي الجامعة. وهذا غير صحيح. الحقيقة أدقّ وأنفع: الدخول مشيًا مجانيّ ومفتوح للجميع، والدخول بالدرّاجة مجانيّ ومفتوح للجميع — لا بطاقة ولا انتساب. وإنما القيد على السيارة وحدها: إدخال سيارة خاصة إلى داخل البوابات يحتاج بطاقة دخول شخصية غير قابلة للتحويل، وهي عمليًّا لمنتسبي الجامعة، وليس ثمة بيع عامّ للبطاقات لسكان أنقرة. فالخلاصة العملية للزائر: اركن سيارتك خارج البوابة وادخل ماشيًا أو بدرّاجة — وستكون قد دخلت مثل الجميع بلا مقابل. والمواعيد الرسمية: للمشاة من السادسة صباحًا إلى العاشرة مساءً. وللسيارات الحاملة للبطاقة من السادسة صباحًا إلى العاشرة مساءً في أيام الأسبوع، وحين تُطبَّق قيود الطاقة الاستيعابية تُقصَر عطلة نهاية الأسبوع إلى السابعة مساءً وتُمنع السيارات بلا بطاقة منعًا تامًّا. ولا دخول لأحد بعد العاشرة مساءً. (ويجوز لحامل البطاقة أن يُدخل معه خمسة أشخاص بحسب صفحة قواعد الجامعة الرسمية، بينما تذكر صحافة محلية أربعة — والمعتمد الرقم الرسمي.) وقائمة الممنوعات هنا أطول مما يتوقّع الزائر، فاقرأها قبل أن تذهب: السباحة ممنوعة ويوصف بأنها خطرة، والمشي على الجليد في الشتاء ممنوع، والطائرات المسيَّرة (الدرون) ممنوعة، والتخييم ونصب الخيام ممنوع، وإشعال النار والشواء ممنوع، والألعاب النارية والموسيقى الصاخبة ممنوعة، والأسلحة ومنها بنادق الهواء ممنوعة، وإطلاق الحيوانات بلا رباط ممنوع، وإطعام الطيور المائية ممنوع، وتعليم القيادة واستعمال المنبّه ممنوعان، والسرعة القصوى ثلاثون كيلومترًا في الساعة، والصيد في مواسم مقنّنة بصنّارة واحدة، والحافلات والميني باصات والشاحنات ممنوعة. وأشهر ما يُفعل حول البحيرة المشي أو ركوب الدرّاجة دورةً كاملة. وطول المسار محلّ اختلاف حقيقي في المصادر: الجامعة تذكر أحد عشر كيلومترًا لطول الشاطئ، ومواقع رياضية تذكر 10.6 كيلومترًا لطريق المحيط، ومواقع تركية تذكر نحو ثمانية لدورة الدرّاجة — والأرجح أن الفرق بين قياس الشاطئ وقياس الطريق ودورة جزئية. فالأمانة أن يقال نحو عشرة إلى أحد عشر كيلومترًا، وهي من خمس وثلاثين إلى ستين دقيقة بالدرّاجة وساعة ونصف إلى ساعتين مشيًا. وعلى الشاطئ بيت قوارب يتدرّب فيه فريقا التجديف والإبحار الشراعي بنادي الجامعة الرياضي. وما حول البحيرة حَرَج مغروس لا غابة طبيعية: فقد شُجِّرت أرض الجامعة كلها في ستينيات القرن الماضي في عهد مديرها كمال كورداش فتحوّلت من سهوب جرداء إلى حرج، وأشهر أشجارها الحور. (ويتردد ذكر أشجار الكافور في كتابات سياحية ولم نجد له تأكيدًا موثوقًا، فلا نثبته.) ولإيمير قصّة بيئية تستحقّ أن تُروى، لأنها من أنجح قصص استصلاح البحيرات في تركيا ولأنها في الوقت نفسه غير مضمونة. كانت البحيرة مصدر مياه الشرب للجامعة، ثم أفسدها الإثراء الغذائي من صرف صحّي غير معالَج يُصبّ فيها منذ السبعينيات. فأُوقف الصبّ المباشر سنة 1995 بالتعاون مع البلدية، وبدأ مختبر علم البحيرات في الجامعة رصدًا بيئيًّا متصلًا منذ 1997 جمع فيه أكثر من أربعة آلاف عيّنة ماء في اثني عشر متغيّرًا. ثم طبّقت الجامعة سنتَي 1998 و1999 أسلوب «التلاعب الحيوي»: خفض مخزون الكارب وسمك السلّور بنحو النصف — وتصف الجامعة ذلك بأنه أول تطبيق لهذه التقنية في تركيا، وننسب هذا التفضيل إليها. والنتيجة أن صفاء الماء ارتفع وعادت النباتات المغمورة، ومنها أنواع نادرة لم تُرَ منذ أربعينيات القرن الماضي. لكن المكسب قابل للانتكاس، وهذا ما لا يُقال عادةً. فمع الجفاف من سنة 2003 تحرّرت مغذّيات من الرواسب فحدثت ازدهارات بكتيرية زرقاء منتجة للسموم، ثم تحسّن الوضع في السنوات الأمطر بعد 2009. وتنسب الأستاذة الدكتورة مريم بكلي أوغلو من مركز البحوث البيئية بالجامعة موجات العوالق المفاجئة الأخيرة إلى موجات الحرّ الناتجة عن الاحتباس الحراري وما تُحدثه من انهيار في الأكسجين، وتشير إلى أن انخفاض منسوب الماء منع التصريف فأورث تملّحًا. وتربط الصحافة التركية بين التلوّث ونفوق أسماك التُّرْنة. فالبحيرة اليوم في حال أفضل بكثير مما كانت، وهي في الوقت نفسه تحت ضغط مناخيّ متصل — وكلا الأمرين صحيح.

البحيرة في قضاء غول باشي على نحو عشرين كيلومترًا جنوب وسط أنقرة، على تخوم أرض جامعة الشرق الأوسط التقنية. والوصول بالسيارة سهل، لكن تذكّر أنك ستركن خارج البوابة وتدخل ماشيًا أو بدرّاجة ما لم تكن معك بطاقة دخول. ومن جاء بالنقل العام فوجهته أطراف غول باشي ثم مشي إلى المدخل. والدرّاجة أفضل وسيلة هنا بلا منازع: دورة البحيرة من خمس وثلاثين إلى ستين دقيقة عليها، مقابل ساعة ونصف إلى ساعتين مشيًا. ويمكن ضمّ إيمير إلى بحيرة موغان في يوم واحد لأنهما في القضاء نفسه ومتّصلتان مائيًّا — وبينهما فرق كبير في الطابع والوصول يستحقّ أن يُعرف قبل التخطيط.

موسم السباحة: الربيع والخريف أجمل المواسم: الحرج أخضر والطقس معتدل والطيور في حركتها. والصيف حارّ لكن ظلّ الأشجار على المسار يخفّف كثيرًا خلافًا لمواقع أنقرة الأثرية المكشوفة. والشتاء بارد وقد يتجمّد سطح الماء — والمشي على الجليد ممنوع صراحةً في قواعد الجامعة، وهو خطر حقيقي لا تنبيه شكليّ. ويصلح المكان في كل فصل للمشي والدرّاجة لأن المسار مظلّل ومستوٍ. وأهدأ الأوقات صباحات أيام الأسبوع.

حديقة الشبابحديقة

حديقة الشباب

حديقة الشباب في أولوس أهمّ حديقة عامة في تاريخ الجمهورية التركية، ومساحتها نحو سبعة وعشرين إلى ثمانية وعشرين هكتارًا. وقصّتها في أصلها: كانت مستنقعًا. فهذه الأرض كانت سهل فيضان مجرى «إينجه صو»، فجُفّف نحو مئتين وخمسة وسبعين ألف متر مربع منها وأُعدّت لتكون متنفّس العاصمة الفتيّة — وهي في هذا المعنى بيان معماريّ عن الجمهورية نفسها: مستنقع يصير حديقة. وهنا تصحيح لازم يخطئ فيه أكثر ما يُكتب: التصميم الأول للحديقة لهرمان يانسن، المخطّط الألماني الذي فاز بمخطّط أنقرة العامّ سنة 1928، وقد وضعها منطقةَ ترفيه حديثة. ثم نقّح المعماري والمخطّط الفرنسي تيو لوفو تصميم يانسن سنة 1936 بتكليف من وزارة الأشغال لأسباب تتصل بالكلفة والتنفيذ، مع الإبقاء على قرارات يانسن الأساسية. فلوفو منقّح ومنفّذ لا صاحب التصميم وحده — وهذه تفصيلة يلتقطها القارئ التركي المطّلع فورًا. وتصحيح ثانٍ يخصّ أتاتورك: تقول الأدلة إنه «أنشأ الحديقة» أو «افتتحها»، والموثَّق أدقّ من ذلك وأجمل: أُقرّت خطة الحديقة في جلسة لمجلس الوزراء ترأسها أتاتورك سنة 1936. ثم بدأ البناء سنة 1939، وافتُتحت سنة 1943. وأتاتورك توفي في نوفمبر سنة 1938 — أي قبل أن يُوضع حجر البناء أصلًا، وقبل الافتتاح بخمس سنوات. فهو أقرّها ولم يرَها قطّ. أما الافتتاح فكان في التاسع عشر من مايو سنة 1943 عن قصد: ذلك يوم أتاتورك والشباب والرياضة، ومن هنا جاء اسمها «حديقة الشباب». وحضرت المراسم قيادة الدولة من رئيس الوزراء ورئيس البرلمان والوزراء والنوّاب. (ويتردد أن عصمت إينونو هو من افتتحها، ولم نجد لذلك تأكيدًا — وكان يومها رئيسًا للجمهورية لا رئيسًا للوزراء، فنكتفي بأنها افتُتحت بمراسم دولة حضرها كبار الحكومة.) وكان قلب الحديقة بركة كبرى مساحتها اثنان وأربعون ألف متر مربع يُسبح فيها، تحفّها المقاهي، ومعها مسرح مكشوف ومضامير جري؛ ثم أُضيفت القطارات المصغّرة سنة 1957. أما اليوم فالصورة مختلطة ومتغيّرة، ونقولها كما هي: ظلّت البركة فارغة مدة طويلة بسبب فقدان الماء، وجرت أعمال تجديد للبحيرة وجسورها مع تركيب إنارة ومنظومة عروض مائية، وتُملأ البرك بالصهاريج للموسم الصيفي، وفيها عرض ضوئي مائي ليليّ. وفي الحديقة مدينة ملاهٍ (لونا بارك) بنحو خمسة وعشرين ألف متر مربع. لكن في يوليو سنة 2026 أقرّ مجلس بلدية أنقرة الكبرى حزمة تجديد شاملة تنصّ على «تجديد منطقة اللونا بارك» و«إعادة تشغيل جولات القوارب» — أي أن القوارب والألعاب أهداف تجديد معلنة لا خدمات مضمونة، فلا تَعِد طفلك بركوب قارب قبل أن تتحقّق يوم الزيارة. وللحديقة قصّة تدهور وإحياء تستحقّ أن تُروى بوجهيها. فمن السبعينيات — مع الأزمة الاقتصادية والاضطراب السياسي — انسحبت الطبقة الوسطى في أنقرة من الحديقة؛ ثم جاءت الثمانينيات بالمراكز التجارية وعادات استهلاك جديدة أفرغت هذا النوع من الترفيه العامّ من روّاده. فتراكم الإهمال، وقامت فيها منشآت غير مرخّصة، وانكمشت المساحة الخضراء حتى قيل إنها «فقدت هويتها الأصلية إلى حدّ بعيد» — وهذا تعبير نقّاد الحفاظ الأتراك لا تعبيرنا. ثم جرى ترميم سنة 2009 بتصميم المعماري أونر توكجان استجابةً لشكاوى الإهمال وانعدام الأمان، وأُضيفت بعده كاميرات مراقبة في أنحائها ودوريات دائمة ومركز شرطة عند جهة ميدان أولوس. وغرفة المعماريين في أنقرة تعامل هذه الحديقة معاملة التراث الجمهوري المهدَّد، وهذا في ذاته دليل يُعتدّ به: فلها موقع حملة مخصّص للحديقة، ونظّمت مسابقة أفكار معمارية للطلاب بعنوان «على أثر الماء: إعادة الاستعمال المتكيّف لبركة حديقة الشباب» بموعد تسليم في ديسمبر سنة 2025. ونتوقّف عند هذا الحدّ ولا ننسب إليهم مطالب بعينها لأننا لم نقرأ نصوص اعتراضاتهم. وننبّه إلى أمرين يتردّدان بلا سند: لا يوجد «أكوابارك» في الحديقة — الموجود البركة التاريخية وما يجري عليها من ملء وإفراغ. ولا يصحّ القول إن جامعًا بُني على أرض اقتُطعت من الحديقة: فجامع مليكة خاتون بمجمّعه (سعة سبعة آلاف مصلٍّ مع مركز ثقافي وقاعة مؤتمرات ومتحف للفنون الإسلامية ومواقف تحت الأرض على أربعة مستويات) افتُتح سنة 2017 عند طرف أولوس–صحّية في مواجهة الحديقة على موقع كان يُستعمل موقف سيارات مكشوفًا بحسب المصادر التي بين أيدينا.

الحديقة في أولوس بمنطقة ألتينداغ، وأقرب محطة أولوس على خط المترو M1 (كيزيلاي–باتيكنت) والحديقة عند مخرج المحطة مباشرةً — فهي من أسهل معالم أنقرة وصولًا. وهي كذلك على مسافة مشي من محطة قطار أنقرة التي تجاورها. وحولها ميدان أولوس، ودار الأوبرا، وملعب 19 مايو، وصالة سليم سرّي تارجان الرياضية، وجامع مليكة خاتون من جهة صحّية. فيُصنع منها ومن جوارها يوم أولوس المتكامل: الحديقة صباحًا، ثم متحف حرب الاستقلال ومعبد أوغسطس وجامع حاجي بيرام، ثم صعودًا إلى متحف حضارات الأناضول والقلعة.

موسم السباحة: الربيع والخريف ألطف مواسمها لأن التجربة كلها في الهواء الطلق، والصيف حارّ لكن ظلال الأشجار والمساء يخفّفان، والشتاء قارس. وأحيا ما تكون الحديقة في المساء حين يعمل العرض الضوئي المائي على البركة وتمتلئ بالأسر. وموسم مدينة الملاهي الصيف وعطلات المدارس. ومن أراد الهدوء والصور فصباح يوم من أيام الأسبوع. وتذكّر أن حال البركة والقوارب يتغيّر بين موسم وآخر لأن أعمال التجديد جارية، فلا تبنِ زيارتك على مرفق بعينه.

جامع أصلان خانة الخشبيمسجد

جامع أصلان خانة الخشبي

جامع أصلان خانة — واسمه الرسمي جامع أخي شرف الدين — من أعجب ما بقي من عمارة الأناضول الإسلامية، وهو في حيّ سمان بازاري ملاصقًا للطرف الجنوبي من أسوار قلعة أنقرة. وقد أُدرج سنة 2023 على قائمة التراث العالمي في اليونسكو ضمن ملفّ «مساجد الأناضول الخشبية ذات الأساطين» (الرقم 1694، ومكوّنه 1694-002)، بالمعيارين الثاني والرابع، وأُعلن ذلك في التاسع عشر من سبتمبر في الدورة الخامسة والأربعين الموسّعة للجنة التراث العالمي بالرياض. ومعه في الملفّ أربعة جوامع أخرى: الجامع الكبير بأفيون قره حصار، وجامع سيوري حصار الكبير بأسكي شهير، وجامع محمود بك بقرية قصبة في كستامونو، وجامع أشرف أوغلو ببيشهير في قونية. وننبّه إلى أن كثيرًا من الصفحات التركية والعربية لا تزال تقول إن الملفّ «على القائمة التمهيدية» — وهذا كلام ما قبل 2023 لم يُحدَّث. وطريفة تُذكر: غورديون في محافظة أنقرة نفسها أُدرجت في الدورة نفسها، فنالت أنقرة تسجيلين في أسبوع واحد. وما الذي يجعل هذا النوع من العمارة استثنائيًّا حتى يستحقّ ملفًّا في اليونسكو؟ التعريف الإنشائي بسيط ودالّ: غلاف خارجي من الحجر يحتضن صفوفًا من أعمدة خشبية قائمة بذاتها تحمل سقفًا خشبيًّا مسطّحًا. وهذه المساجد ترجع إلى أواخر القرن الثالث عشر ومنتصف الرابع عشر. والخشب أقلّ مواد البناء بقاءً في بلد زلزالي معرَّض للحرائق، ومع ذلك ظلّت هذه الغابة من الأعمدة قائمة نحو سبعمئة وثلاثين سنة. وتقدّم وزارة الثقافة التركية في ملفّ الترشيح حجّةً بأن هذا الجمع — قشرة حجرية ثقيلة، وداخل خشبيّ خفيف، ونجارة سلجوقية من الكوندكاري والتيجان المنحوتة والعوارض المزخرفة — لا نظير له بهذا الحجم في العالم الإسلامي؛ وننسب هذه الحجّة إلى ملفّ الترشيح لا نقرّرها حكمًا. وللقارئ العربي صورة تقرّب الأمر: هي فكرة «غابة الأعمدة» نفسها التي في جامع قرطبة الكبير وجامع القيروان، لكن منفَّذة بالخشب لا بالحجر والرخام. أما تاريخ البناء فسنة 1289–1290 الموافقة 688–689 هـ، في عهد السلطان السلجوقي الرومي مسعود الثاني. وهنا تفصيلة منهجية لطيفة: هذا التاريخ مأخوذ من نقش المنبر لا من نقش التأسيس، لأن نقش تأسيس المبنى مفقود — فالمنبر هو شهادة ميلاد الجامع. (وتذكر دائرة معارف واحدة أن السلطان كان كيكاوس الثاني، وهو خطأ زمنيّ ظاهر لأن ملكه انتهى نحو سنة 1262 قبل التاريخ بنحو ثلاثين سنة، والمعتمد ما تقوله وزارة الثقافة التركية.) وبناه واقفان من الأخيّة: أخي حسام الدين وأخي حسن الدين، وهما أخوان، وهما أبو أخي شرف الدين وعمّه. وثمة رأي أقلّ شيوعًا يجعل أصل المبنى من مطلع القرن الثالث عشر بأمر الأمير سيف الدين آي أبا، ويجعل عمل سنة 1289–1290 إعادة بناء أو ترميمًا كبيرًا — نذكره رأيًا ثانيًا. وهنا يبدأ ما يخصّ قارئنا العربي خصوصًا، وهو أعمق من مجرد مصادفة لغوية. فالواقفون «أخيّة»، والأخيّة (آخيليك) هي حركة أصناف الحرف في الأناضول، وهي فرع تركيّ أناضوليّ من «الفتوّة» العربية الإسلامية. والسلسلة موثّقة وواضحة: الخليفة العباسي الناصر لدين الله (حكم 1180–1225) أخذ في شبابه لباس الفتوّة عن شيخ الفتوّة ببغداد عبد الجبار البغدادي، ثم أعاد تنظيم جماعات الفتوّة المتفرقة في العالم الإسلامي مؤسسةً واحدة تحت الخلافة، ودوّن قواعدها في وثائق تسمّى «فتوّتنامه»، وأرسل الرسل والمراسيم إلى ملوك المسلمين ومنهم سلاطين سلاجقة الروم يدعوهم إلى الانضمام. وممّن لبّى الدعوة أخي إفران — نصير الدين محمود الخُويي المولود سنة 1171 في خوي بأذربيجان — فحمل الفتوّة معه إلى الأناضول واستقرّ في قِرشهير، فنشأت منها الأخيّة. فالخيط يمتدّ من بغداد إلى أنقرة: الناصر لدين الله ← الفتوّة ← أخي إفران ← الأخيّة ← أخيّة أنقرة ← هذا الجامع. بل إن لفظ «أخي» نفسه يُردّ في الرأي الغالب إلى العربية «أخي»، وإن كان ثمة رأي آخر يردّه إلى التركية «آقي» بمعنى الكريم الشجاع. وأخي شرف الدين محمد بن أخي أمير أحمد كان زعيم الأخيّة في أنقرة، وكانت المدينة في القرن الرابع عشر مدينة تديرها الأخيّة فعليًّا: هو الذي كان يسوس حياتها التجارية والاجتماعية معًا. توفي سنة 751 هـ الموافقة 1350–1351، وتربته قائمة مقابل الجامع من جهته الشرقية مبنيّة سنة 1350 من الحجر المنحوت والآجُرّ، وعلى لوح رخامي فوق نافذتها الجنوبية نقش عربي، وفيها سبعة قبور. وفيها تفصيلة يغفلها الزوّار كلهم: صندوقه الخشبي المنقوش (السنْدوقة) لم يعد في التربة — بل يُعرض في المتحف الإثنوغرافي بأنقرة، وعليه تاريخ 751 هـ وألقاب تصفه بأنه «أبو الكرماء» و«زعيم الأخيّة». أي أن الرجل في تربة هنا وتابوته في متحف على بُعد كيلومتر ونصف. والداخل هو الحدث. أربعة وعشرون عمودًا خشبيًّا تقوم في مسقط بازيليكي نحو 21.5 في 25 مترًا، وتنتهي هذه الأعمدة الخشبية بـتيجان حجرية رومانية معاد استعمالها — تيجان أثرية قديمة جالسة فوق سيقان خشبية سلجوقية. والجدران نفسها مبنيّة إلى حدّ كبير من حجارة رومانية وبيزنطية معاد استعمالها. وهذه هي منطق قلعة أنقرة نفسه فوق رؤوسنا مباشرة: مدينة رومانية أُعيد تدويرها في بناء إسلامي وبيزنطي. والسقف خشبيّ مسطّح محمول على كوابيل وعوارض منحوتة، وفيه ميدالية خشبية واحدة باقية، وانحناؤه الظاهر سجلّ لقرون من الحركة الزلزالية. أما المحراب فهو التحفة: فسيفساء خزفية (تشيني موزاييك) مع جصّ بارز، وطاقية مقرنصة، ولوحة كبيرة تصعد إلى السقف. وتصفه وزارة الثقافة التركية بأنه «من أكثر عناصر العهد السلجوقي أصالةً في الأناضول» — والوصف لها فنُسنده إليها. ويتردد في الصحافة التركية أنه أول مثال لفسيفساء الخزف في الأناضول ولم نجد لذلك تأكيدًا أكاديميًّا، فنذكره ادّعاءً لا حقيقة. ولا نجزم كذلك بما هو أصليّ فيه وما هو مرمَّم، فالمبنى مرّ بترميمات متعاقبة ولم نقف على تفصيل موثوق. والمنبر من خشب الجوز مؤرَّخ سنة 1290، صنعه — بنصّ نقشه عليه — النجّار محمد بن أبي بكر، بتقنية الكوندكاري: تعشيق هندسي متشابك يُركَّب بلا مسمار ولا غراء. ولاحظ ما في ذلك من دلالة: اسم صانعه عربيّ، موقَّع على منبر في أنقرة سنة 1290. وأما الاسم «أصلان خانة» فمعناه «بيت الأسد» — «أصلان» بالتركية أسد و«خانة» بالفارسية بيت — وهو لقب شعبيّ لا اسم وقفيّ. وسببه تمثال أو نقش أسد قديم مثبَّت في جدار. وتختلف المصادر في أيّ جدار: وزارة الثقافة التركية وويكيبيديا التركية تضعانه في الجدار الخارجي لتربة أخي شرف الدين الملاصقة شرق الجامع، بينما تضعه ويكيبيديا الإنجليزية في جدار الجامع نفسه — والأول أقوى سندًا. وتختلف في تأريخه كذلك: الوزارة تكتفي بوصفه «أثريًّا»، وويكيبيديا التركية تقول إنه بيزنطي. وهنا تصحيحان: لا مصدر واحد يقول إن الأسد حِثّي خلافًا لما يتردد — والأرجح أن الخلط جاء من أن متحف حضارات الأناضول على بُعد ثلاثمئة متر مملوء بأسود حِثّية حقيقية. والتصحيح الثاني أن الجامع يُقدَّم أحيانًا بأنه «أقدم جامع في تركيا» وليس كذلك: بناءٌ من سنة 1289 متأخر، وفي الأناضول ما هو أقدم منه: الجامع الكبير بديار بكر يرجع إلى أواخر القرن الحادي عشر، وجامع ديوريغي سنة 1228 يسبقه بنحو ستّين سنة. تميّزه في النوع لا في العمر: هو من أقدم ما بقي في أنقرة، وواحد من خمسة مساجد خشبية دخلت التراث العالمي.

العنوان: حيّ القلعة، شارع القلعة، ألتينداغ بأنقرة — في حيّ سمان بازاري ملاصقًا للطرف الجنوبي من أسوار القلعة الخارجية. وأقرب محطة مترو أولوس على الخط M1، ومنها صعودًا على الأقدام، أو تاكسي إلى سمان بازاري لمن يشقّ عليه الصعود. ومتحف حضارات الأناضول على بُعد دقائق مشيًا، ومدخل القلعة صاعدًا فوقه مباشرة — فيُصنع منها مسار واحد متّصل. واللباس: مسجد عامل، فيلزم خلع الحذاء عند الباب وستر الكتفين والركبتين للرجال والنساء وغطاء رأس للنساء. والتصوير مسموح عمومًا في مساجد تركيا خارج أوقات الصلاة ولم نجد منعًا خاصًّا هنا، فليكن بتحفّظ وبلا تصوير للمصلّين.

موسم السباحة: الزيارة صالحة في كل الفصول لأن المبنى مغلق، وإن كان الوصول إليه صعودًا في حيّ القلعة يشقّ في حرّ الصيف ويزلق في شتاء أنقرة. ويكفيه من الوقت عشرون إلى ثلاثون دقيقة — فهو قاعة واحدة، وإنما جئت لأربعة أشياء: غابة الأعمدة، والتيجان الرومانية فوقها، والسقف الخشبي، والمحراب والمنبر. والأصوب أن يُضمّ في حلقة واحدة إلى متحف حضارات الأناضول وقلعة أنقرة وتربة أخي شرف الدين مقابله وسوق سمان بازاري — فتصير نصف يوم متكامل. وأفضل توقيت ضحى يوم من أيام الأسبوع بعد صلاة الظهر أو العصر بقليل.

متحف حرب الاستقلال (المجلس الأول)متحف

متحف حرب الاستقلال (المجلس الأول)

هذا المبنى الحجري المتواضع في أولوس هو المكان الذي وُلدت فيه الجمهورية التركية. بُني سنة 1915 ليكون نادي «جمعية الاتحاد والترقي» بأنقرة، ورسم مشروعه المعماري سليم بك معماري إدارة الأوقاف بأمر من أنور باشا، وأشرف على المشروع ممدوح شوكت (إسندال) مندوب الجمعية في أنقرة، وتولّى البناء المعماري العسكري حسيب بك — فأتمّ الجدران الحجرية ولم يُنجَز السقف ولا الداخل قطّ لشحّ المواد في الحرب، وقُتل حسيب بك في الحرب. وهو مبنى من طابق واحد بحجر الأنديزيت الوردي البنفسجي المحلي المعروف بـ«حجر أنقرة»، ويُعدّ من أوائل أمثلة «العهد المعماري الوطني الأول» في أنقرة بحسب المصادر التركية. ثم جاءت اللحظة التي جعلت منه ما هو عليه. حين تقرّر أن يجتمع فيه المجلس سنة 1920 كان ناقصًا بلا سقف ولا أثاث، فأُوكل إتمامه إلى نجاتي بك — الذي صار بعدُ نائبًا عن بورصة في المجلس الأول — فجُمع ما يلزم من المدينة نفسها. والتفاصيل ليست بلاغة بل مرويّة في نصّ المتحف: القرميد جاء من سطوح بيوت أهالي أنقرة أنفسهم ومن «مدرسة النموذج» في أولوجانلار؛ والمقاعد جاءت من مدرسة المعلمين ومن «المكتب السلطاني» المعروف بالمدرسة الحجرية — أي أن نوّاب الأمة جلسوا يقرّرون مصير بلادهم على مقاعد مدرسية؛ والإنارة والتدفئة مصباحان يعملان بالكاز ومواقد من الصفيح جيء بها من المقاهي المجاورة (وكُهربت المصابيح فيما بعد)؛ وأدوات المكاتب جُمعت من دوائر الدولة في المدينة. ونضبط خطأً شائعًا هنا: المصباحان من المقاهي لا من المدرسة — المدرستان أعطتا المقاعد. وفي الجمعة الثالث والعشرين من أبريل سنة 1920 افتُتح «المجلس الوطني الكبير». وقبل الجلسة بساعات جرى مشهد يربط هذا المبنى بمعلم آخر في أنقرة على بُعد خمس دقائق مشيًا: صلّى النوّاب الجمعة في جامع حاجي بيرام ولي، وتُلي القرآن، واجتمع الناس في صحن الجامع، ثم ساروا في موكب إلى مبنى المجلس يكبّرون ويحملون السناجق واللحية الشريفة، وعند المدخل قُرئت الأدعية وذُبحت الذبائح ثم افتُتحت الجلسة. وحضر الجلسة الأولى نحو مئة وخمسة عشر نائبًا من نحو ثلاثمئة وأربعة وعشرين عضوًا — فكثير منهم كان لا يزال في الطريق أو معتقلًا في مالطة أو عاجزًا عن بلوغ أنقرة. (وتذكر بعض المصادر التركية مئة وعشرين، فنذكر «نحو مئة وخمسة عشر».) ولم يكن هذا المجلس برلمانًا بالمعنى المعروف: كان يجمع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في هيئة واحدة — نظام «حكومة المجلس» — على مبدأ دستور 1921 «السيادة للأمة بلا قيد ولا شرط». وظلّ مقرًّا للمجلس من 23 أبريل 1920 إلى أكتوبر 1924. وفي هذه القاعة بالذات اتُّخذت القرارات التي صنعت تركيا الحديثة: دستور 1921 في العشرين من يناير 1921؛ واعتماد «النشيد الاستقلالي» لمحمد عاكف أرصوي نشيدًا وطنيًّا في الثاني عشر من مارس 1921؛ وإلغاء السلطنة في الأول من نوفمبر 1922 بالقرار رقم 308؛ والتصديق على معاهدة لوزان سنة 1923؛ وإعلان الجمهورية في التاسع والعشرين من أكتوبر سنة 1923؛ وإلغاء الخلافة في الثالث من مارس سنة 1924. وهنا التصحيح الأهمّ في هذه الصفحة، وهو خطأ يتكرّر في المحتوى العربي بسبب الأسماء: الجمهورية لم تُعلن في «متحف الجمهورية». فمبنى المجلس الثاني — وهو اليوم «متحف الجمهورية» — لم يُفتح إلا في الثامن عشر من أكتوبر سنة 1924، أي بعد إعلان الجمهورية بنحو سنة كاملة. فكلّ ما جرى من 23 أبريل 1920 إلى إلغاء الخلافة في 3 مارس 1924 جرى في هذا المبنى الأول. و«متحف الجمهورية» سُمّي باسم الحقبة التي يعرضها لا باسم الحدث. والمبنيان على الجادة نفسها في أولوس ويُزاران متتابعَين: الأول من 1915 بتصميم سليم بك ويغطّي 1920–1924، والثاني من 1923 بتصميم وَدَاد تك وكان ناديًا لحزب الشعب ثم مجلسًا من 1924 إلى 1961، وفيه المنبر الذي ألقى منه أتاتورك «الخطاب» سنة 1927 وميكروفون خطاب الذكرى العاشرة ومقتنيات الرؤساء الثلاثة الأوائل. وأما ما يخصّ القارئ العربي على وجه الخصوص فمسألة السلطنة والخلافة، ونعرضها وقائع مجرّدة موثّقة. أُلغيت السلطنة في الأول من نوفمبر 1922 بقرار المجلس رقم 308، ففُصلت السلطنة عن الخلافة وأُلغيت الأولى، وغادر السلطان وحيد الدين (محمد السادس) البلاد، ثم أسند المجلس لقب الخليفة إلى عبد المجيد أفندي. ثم أُلغيت الخلافة في الاثنين الثالث من مارس سنة 1924: عُرض المشروع على الهيئة العامة للمجلس بتقديم الشيخ صفوت أفندي وثلاثة وخمسين نائبًا معه، وتضمّن إلغاء الخلافة وإخراج الأسرة العثمانية من تركيا، فأنهى لقبًا حمله سلاطين آل عثمان منذ القرن السادس عشر. وضبطٌ دقيق يخطئ فيه كثيرون: الذي قرّر إلغاء الخلافة هو المجلس الثاني — أي الهيئة المنتخبة سنة 1923 — لكنه كان جالسًا في المبنى الأول، لأن المبنى الثاني لم يُفتح بعد. وفي اليوم نفسه أُقرّ قانون توحيد التدريس وأُلغيت وزارة الشرعية والأوقاف: ثلاثة قوانين في يوم واحد. وتصف دائرة المعارف الرسمية التركية ذلك بأنه «ثورة سياسية على طريق علمنة الدولة» — والوصف لها فننسبه إليها. وقد تباينت ردود الفعل في العالم الإسلامي يومها تباينًا واسعًا، ونكتفي بالإشارة إلى وجود هذا التباين دون تلخيصه بلا مصادر. وصار المبنى متحفًا بقرار سنة 1957، وفُتح للجمهور باسم «متحف المجلس الوطني الكبير» في الثالث والعشرين من أبريل سنة 1961، ثم أُعيد افتتاحه بعد ترميم باسم «متحف حرب الاستقلال» في الثالث والعشرين من أبريل سنة 1981، ونُقلت إدارته إلى رئاسة المجلس سنة 2009. وفيه اليوم: قاعة الجلسات الأصلية بمقاعدها المدرسية ومصابيحها ومواقدها؛ وأول علم تركي رُفع على المبنى في 23 أبريل 1920؛ وغرفة مصطفى كمال باشا بمقتنياته؛ وغرفة محمد عاكف أرصوي وفيها بندقية «شتاير» أُهديت إليه منقوشًا عليها «ذكرى النصر 1338» وقناع جصّيّ لوجهه من عمل النحّات راتب عاشر أجودوغو؛ وغرفة الكتبة بأختامها الرسمية وبطاقات النوّاب؛ وأسلحة ومناظير وأجهزة تلغراف وهاتف وآلة تشفير من طراز «كريها»؛ وغرفة لجنة الدستور فيها مسوّدات الدستور وطاولة تُنسب إلى معاهدة لوزان — ونقول «تُنسب» لأن المعاهدة وُقّعت في لوزان بسويسرا، فالأرجح أنها طاولة استعملها الوفد أو استُعملت في التصديق، ولا يصحّ أن يقال إن المعاهدة وُقّعت عليها. ولم نجد ما يؤكّد أن مخطوطة النشيد الاستقلالي بخطّ عاكف معروضة هنا فلا نزعم ذلك.

العنوان: جادة الجمهورية رقم 2/1، أولوس، ألتينداغ بأنقرة. (وتعطي بوابة ثقافية أخرى رقم 14 على الجادة نفسها؛ والمعتمد ما تذكره بوابة المتاحف الرسمية: 2/1.) ومحطة مترو أولوس على الخط M1 ملاصقة تقريبًا. والمتحف في قلب مثلث يُمشى كلّه: جامع حاجي بيرام ولي ومعبد أوغسطس على نحو خمس دقائق مشيًا — وهي الطريق نفسها التي سلكها النوّاب في موكبهم يوم الافتتاح — ومتحف الجمهورية (المجلس الثاني) على بُعد مئات الأمتار على الجادة نفسها، ومتحف حضارات الأناضول في الطريق صعودًا إلى قلعة أنقرة على نحو عشر إلى خمس عشرة دقيقة. فمن نزل في أولوس صباحًا استطاع أن يجمعها كلها في يوم واحد بلا سيارة.

موسم السباحة: المتحف مغلق فيصلح في كل الفصول، ويكفيه من خمس وأربعين دقيقة إلى تسعين للمبنى كله. وأخصّ أيامه الثالث والعشرون من أبريل: هو يوم افتتاح المجلس سنة 1920، وقد صار عيدًا وطنيًّا منذ سنة 1921، ثم احتُفل به لأول مرة عيدًا للأطفال سنة 1929 حين أهداه أتاتورك إلى الأطفال، وثبّته قانون الأعياد الصادر في السابع والعشرين من مايو سنة 1935 عيدًا للسيادة الوطنية، فصار اسمه المركّب «عيد السيادة الوطنية والطفل». وأما ما يتردد من أنه «العيد الوطني الوحيد في العالم المهدى للأطفال» فوصف تقوله مصادر الدولة والإعلام التركي وننسبه إليها. وفيه تفصيلة تخصّ قارئنا: بعدما أعلنت اليونسكو سنة 1979 سنةً للطفل أطلقت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية «مهرجان 23 أبريل الدولي للطفل» في السنة نفسها بأنقرة بمشاركة خمس دول كان العراق إحداها مع الاتحاد السوفييتي وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا؛ وقد شارك فيه منذ ذلك الحين نحو عشرين ألف طفل من نحو تسعين دولة، وحضر نسخته السابعة والأربعين ستّمئة طفل من ثلاثين دولة.

متحف رحمي كوتش (تشنغل خان)متحف

متحف رحمي كوتش (تشنغل خان)

متحف رحمي م. كوتش في أنقرة يشغل تشنغل خان، وهو خان عثماني من أوائل القرن السادس عشر يقوم في حيّ آت بازاري بمنطقة ألتينداغ مقابل المدخل الرئيسي لقلعة أنقرة مباشرةً، وعلى مرمى قدم من متحف حضارات الأناضول. واسمه يعني «خان الخطاطيف»، ويُعدّ من أكبر أربعة خانات في عصره. وفي تاريخ بنائه اختلاف طفيف يُذكر بوجهيه: تقول مصادر تركية إنه بُدئ سنة 1522 في عهد السلطان سليمان القانوني وأُتمّ سنة 1523 وإن واقفه داماد رستم باشا صهر السلطان وزوج مهرماه سلطان، بينما تنصّ ويكيبيديا الإنجليزية على أن النقش فوق البوابة الرئيسية يعطي سنة 1523 في عهد سليمان الأول. والصياغة الجامعة: بُني سنة 1522–1523، والنقش على الباب يقول 1523 — أما نسبة الوقف إلى رستم باشا فمرويّة في المصادر لا مثبتة بالنقش كما يُنقَل. وحياة الخان بعد ذلك تحكي حكاية أنقرة نفسها: استُعمل مستودعًا لتجارة الجملة في الصوف الموهيري «التيفتيك» — وهو المنتج الذي اشتُهرت به أنقرة في أوروبا كلها — ومعه الصوف والجلود، ثم آل في العهد الجمهوري إلى المديرية العامة للأوقاف. وإلى جواره مبنى ثانٍ يغفله أكثر ما يُكتب بالعربية: «زعفران خان» المبنيّ سنة 1511، وهو خان أناضولي نموذجي استُعمل سجنًا في مطلع العهد الجمهوري ثم مخزنًا؛ وقد ضُمّ إلى المتحف سنة 2012 ورُمّم حتى سنة 2016، وفيه اليوم ثمانية عشر قسم عرض وأكثر من عشرة آلاف قطعة. وهنا لبّ القصّة، وهو ما يجعل فرع أنقرة ليس نسخة من فرع إسطنبول بل أصله: في هذا الخان بالذات كان الدكان الذي بدأ فيه وهبي كوتش — مؤسّس مجموعة كوتش، أكبر مجموعة صناعية في تركيا — أعماله الأولى. فلمّا استأجر ابنه رحمي م. كوتش المبنى سنة 2003 ورمّمه وفتحه متحفًا سنة 2005، كان في حقيقة الأمر يرمّم الخان الذي انطلق منه أبوه. وفي الدور الأرضي غرفة مخصّصة اسمها «دكان وهبي كوتش» أُعيد فيها تمثيل ذلك المحلّ. ولذلك فإن من يقول إن متحف أنقرة «نسخة أنقرة من متحف إسطنبول» يقلب الحكاية: إسطنبول (هاسكوي على القرن الذهبي) هو المتحف الأمّ في الحجم، لكن أنقرة هي قصّة النشأة — والفرع الثالث في جوندة بأيوالق. والمجموعة صناعية وتقنية بامتياز، وتغطّي من خمسينيات القرن التاسع عشر فصاعدًا، موزّعة على ثلاثة مستويات. في القبو: الزراعة، والصيدلة والطبّ، وورشة النماذج، والمعارض المؤقتة، والسجّاد. وفي الدور الأرضي: الآلات، وغرفة دكان وهبي كوتش، والنقل البرّي من سيارات ودرّاجات نارية، و«شارع الحرفيين» الذي يعيد تمثيل دكاكين الصنّاع، والمخزن، ومقهى ومطعم. وفي الدور الأول تسعة أقسام: النقل بالسكك الحديدية، والألعاب، والاتصالات، والأجهزة العلمية، والملاحة البحرية بنماذج السفن، والحياة اليومية، وقسم لتاريخ أنقرة وأتاتورك، وصالة رحمي م. كوتش، والطيران، ومقصف. فهو متحف يُمشى فيه بالعين لا بالقراءة — وأنسب متاحف أنقرة للأطفال وللمهتمّين بالهندسة والآلات.

المتحف في حيّ آت بازاري بمنطقة ألتينداغ، مقابل المدخل الرئيسي لقلعة أنقرة مباشرةً، وعلى بضع دقائق مشيًا من متحف حضارات الأناضول. وأقرب محطة أولوس، ومنها صعود مشيًا نحو ربع ساعة عبر آت بازاري. وتُسيّر بلدية أنقرة الكبرى حافلة دائرية مجانية لمركز أولوس التاريخي من الموقف المقابل لمحطة مترو أولوس تقف عند القلعة ومتحف حضارات الأناضول — وهي تحلّ مشكلة الصعود لمن يشقّ عليه المشي، فتأكّد من استمرارها. والترتيب الأمثل لنصف يوم: متحف رحمي كوتش عند السفح، ثم متحف حضارات الأناضول، ثم صعودًا إلى القلعة عند الغروب — فتصعد مرة واحدة متدرّجًا.

موسم السباحة: المتحف مغلق ومكيَّف فيصلح في كل الفصول، وهو من أفضل ما يُقصد في يوم مطير أو شديد البرودة في أنقرة حيث تكون القلعة والمواقع المكشوفة شاقّة. ولا موسم له، وإنما المزاحمة تتبع عطلات المدارس وعطلة نهاية الأسبوع. وأهدأ أوقاته صباحات أيام الأسبوع. وتذكّر الاثنين: هو مغلق فيه، فمن خطّط ليوم اثنين في حيّ القلعة فليعلم أن الحمّامات الرومانية ومتحف حضارات الأناضول مفتوحان يوم الاثنين وهذا المتحف مغلق — وهي تفصيلة تنقذ يومًا كاملًا.

معبد أوغسطس (نُصب أنقرة)معلم

معبد أوغسطس (نُصب أنقرة)

في ساحة حاجي بيرام بأولوس يقف جداران رخاميّان عاليان بلا سقف، يمرّ بهما آلاف الناس كل يوم ولا يعرف أكثرهم ما عليهما. هذان الجداران يحملان أكمل سيرة ذاتية بقيت لإمبراطور روماني بقلمه هو. الأصل كان في روما — عمودان من البرونز أمام ضريح أوغسطس في حقل المريخ — وقد ضاع تمامًا؛ فصارت هذه النسخة الإقليمية في أنقرة هي المصدر الأول لنصّ يعرفه كل مؤرّخ للعالم القديم. ومن هنا اسمها اللاتيني «نُصب أنقرة» (Monumentum Ancyranum). ونصحّح ابتداءً وهمًا شائعًا: السيرة لم تُكتب في أنقرة ولا دُفن أوغسطس فيها — كُتبت في روما ونُقشت هنا نسخةً في معبد إقليمي. والمعبد نفسه بُني نحو سنة 25 إلى 20 قبل الميلاد، بعدما ضمّت روما وسط الأناضول وجعلت أنكيرا عاصمة ولاية غلاطية. وهو معبد شبه مزدوج الجناح (بسويدوديبتيرال) من النظام الكورنثي، على قاعدة نحو 55 في 36 مترًا ترتفع نحو مترين بثماني درجات، وله ترتيب المعابد الكلاسيكية الثلاثي: رواق أمامي، ثم حجرة الإله، ثم رواق خلفي. وتذكر المصادر خمسة عشر عمودًا على كل ضلع طويل وثمانية على القصيرين، وإن كانت نقود أنكيرا الرومانية تصوّر ستة على الضلع القصير — فنذكر الاختلاف. ولم يبقَ اليوم إلا جداران طويلان لحجرة الإله قائمان إلى ما يقارب ارتفاعهما الأصلي، وقد ذهب السقف والأعمدة والتيجان، وتُعرَف مواضع ستة أعمدة. وأبهى ما بقي منه إطار الباب الرخامي المنقوش بين الرواق والحجرة، وهو الباب الذي يُقرأ النصّ اللاتيني من خلاله. وتحت المعبد حرمٌ أناضوليّ أقدم من النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد، يُرجَّح أنه للإله «مِن» والإلهة كيبيلي — ونقول «يُرجَّح» لأن كل مصدر متأنٍّ يتحفّظ في هذا. وأما النصّ — «أعمال أوغسطس الإلهي» — فوثيقة من طراز فريد. يتألف من مقدّمة وخمسة وثلاثين فصلًا وملحق، ويُقسَّم عادةً أربعة أقسام: المناصب والتشريفات (2–14)، ثم العطاء العام من مال وأرض وقمح ومبانٍ وألعاب (15–24)، ثم الإنجاز العسكري والدبلوماسي (25–33)، ثم البيان السياسي الختامي (34–35). وقد أتمّه أوغسطس قبل وفاته بنحو شهر في التاسع عشر من أغسطس سنة 14 ميلادية، ويقول في آخره إنه كتبه في سنته السادسة والسبعين. والملحق مكتوب بصيغة الغائب وليس من قلمه على الأرجح، ويلخّص النصّ ويعدّد ما بناه ورمّمه ويذكر أنه أنفق ستمئة مليون ديناري فضّي من ماله الخاص. وأذكى ما في بنية النصّ أن أوغسطس يعدّد المناصب التي رفضها كما يعدّد التي تولّاها — وهذا هو عمود بلاغته كلها: رجل يملك كل شيء ويحرص على أن يُرى زاهدًا في اللقب. وأصدق وصف للنصّ أنه كشف حساب لا سيرة: مناصب وأموال وجنود ومبانٍ ووحوش، إمبراطور يدقّق على نفسه علنًا. من أرقامه: نحو خمسمئة ألف جندي أدّوا له يمين الولاء، أسكن منهم أكثر من ثلاثمئة ألف في مستعمرات أو أعادهم إلى بلدانهم بأرض أو مال (الفصل 3). ووزّع عطايا نقدية متكرّرة، منها ستون ديناريًّا لثلاثمئة وعشرين ألفًا من عامّة الرومان سنة 5 قبل الميلاد، وستون ديناريًّا لما يزيد على مئتَي ألف سنة 2 ميلادية، ويقول إن عدد من نالوا عطاءه لم يقلّ قطّ عن مئتين وخمسين ألفًا (الفصل 15). وأنفق نحو ستمئة مليون سسترس على أراضٍ في إيطاليا ونحو مئتين وستين مليونًا على أراضٍ في الأقاليم لإسكان المحاربين القدماء، وأربعمئة مليون مكافآت تسريح (الفصل 16). ورمّم اثنين وثمانين معبدًا في سنة واحدة سنة 28 قبل الميلاد (الفصل 20). وأقام ثماني مباريات مصارعة قاتل فيها نحو عشرة آلاف رجل، وستًّا وعشرين مطاردة للوحوش قُتل فيها نحو ثلاثة آلاف وخمسمئة وحش أفريقي (الفصل 22). وحفر حوضًا للمعارك البحرية بمقاس ألف وثمانمئة قدم في ألف ومئتين، خاض فيه ثلاثون سفينة ذات مناقير ونحو ثلاثة آلاف مقاتل عدا المجدّفين (الفصل 23). وتولّى القنصلية ثلاث عشرة مرة وحُيّي «إمبراطورًا» إحدى وعشرين مرة (الفصل 4). (وتنبيه للقارئ الدقيق: أرقام المتن بالسسترس وأرقام الملحق بالديناري، وكل ديناري أربعة سسترسات — فلا تُجمع الأرقام بلا تحويل.) لكن أشهر ما في النصّ جملة واحدة في الفصل الرابع والثلاثين. يقول أوغسطس إنه بعدما أنهى الحروب الأهلية ردّ الجمهورية من سلطانه إلى مشيئة مجلس الشيوخ وشعب روما، وإنه منذ ذلك الحين «فُقتُ الجميع في المكانة (auctoritas)، أما السلطة (potestas) فلم يكن لي منها أكثر مما لزملائي في أيّ منصب». ثم يختم في الفصل الخامس والثلاثين بأن مجلس الشيوخ وطبقة الفرسان والشعب الروماني كلّهم منحوه لقب «أبي الوطن». وهذه العبارة هي أشهر جملة في تاريخ السياسة الرومانية، ووجه أهميتها أنها الصيغة الكلاسيكية لحاكم يملك السلطة المطلقة ويصرّ على أن المؤسسات ما زالت قائمة — فكرة يفهمها كل قارئ سياسة إلى اليوم. ولهذا يستحقّ هذا الجدار أن يُقرأ لا أن يُصوَّر فحسب. ومن النصّ ثلاث نسخ معروفة فقط، وكلها في ولاية غلاطية الرومانية وحدها: نسخة أنقرة باللاتينية واليونانية معًا وهي الأكمل بفارق كبير؛ ونسخة أنطاكية بيسيدية في يالفاتش باللاتينية وحدها وهي شظايا، عُرف منها نحو ستين شظية ثم استخرجت بعثة جامعة ميشيغان نحو مئتين أخرى سنة 1924، والأرجح أنها كانت على بوّابة معبد؛ ونسخة أبولّونيا باليونانية وحدها منقوشة على قاعدة تماثيل للأسرة الإمبراطورية. فأنقرة الموضع الوحيد في العالم الذي بقي فيه النصّ اللاتيني الأصلي وترجمته اليونانية الرسمية معًا وشبه كاملين. وموضعهما مختلف: اللاتينية داخل الرواق الأمامي على جداريه، واليونانية على الجدار الخارجي لحجرة الإله. وهنا تفصيلة تفسّر ما يراه الزائر وقلّ من ذكرها: النصّ اليوناني أشدّ تلفًا من اللاتيني بكثير، لأن بيوتًا بُنيت ملاصقة له في العهد العثماني فحُفرت في حجارته تجاويف لتثبيت عوارض السقوف — فالثقوب التي تراها في الجدار ليست بلى الزمن وحده، بل أثر سكن. وحياة المبنى بعد الرومان هي التي أبقته. فقد حُوّل إلى كنيسة عند مطلع القرنين الخامس والسادس: فُتحت في جداره الجنوبي الغربي نوافذ كبيرة لا تزال أقواسها الثلاثة ظاهرة، وخُفض مستوى أرضية الحجرة، وهُدم الجدار الفاصل بين الحجرة والرواق الخلفي لإقامة حنيّة وسرداب. وظلّ كنيسة نحو ألف سنة — والمفارقة أن هذا التحويل هو سبب بقاء الجدارين، إذ ظلّ المبنى مستعملًا فلم يُنهب حجره. ثم بُني جامع حاجي بيرام ولي إلى جواره سنة 1427 بناءً مستقلًّا يستند إلى جداره، واستُعمل المعبد بعدها مدرسة دينية — أي أن الجامع لم يُحوَّل عن المعبد كما يشيع في المحتوى العربي. (وثمة رواية عند مصدر غربي تقول إن الكنيسة صارت مسجدًا في العهد السلجوقي، وهي مخالفة للرواية التركية السائدة فلا نبني عليها.) وأما عودته إلى علم الغرب فكانت سنة 1555 حين وصلت سفارة هابسبورغية إلى السلطان سليمان القانوني، وفيها الفلمنكي أوجييه غيسلين دي بوسبك والدلماسي أنطون فرانتشيتش — والرجلان في السفارة نفسها لا متنافسَين — فسجّلا النقش. وظلّ فريدًا من نوعه أكثر من ثلاثة قرون حتى عُثر على نسختَي بيسيديا. ثم أخرج تيودور مومسن طبعاته المرجعية في ثمانينيات القرن التاسع عشر وسمّاه «ملكة النقوش» — وقد صرّح أنه سمّاه كذلك لأهمية مضمونه لا لطوله. والطبعة المعيارية اليوم لـأليسون كولي عن مطبعة كامبريدج سنة 2009، وتتوالى عليه اليوم أعمال المسح ثلاثي الأبعاد والتصوير المساحي ومشروع «أنقرة الرقمية» المطلق سنة 2021.

المعبد في ساحة حاجي بيرام بحيّ أولوس، ملاصقًا لجامع حاجي بيرام ولي. وأقرب محطة أولوس ومنها مشيًا قصير، وتخدم أولوس حافلات كثيرة من وسط المدينة. وهو في قلب مثلث أولوس الذي يُمشى كله: متحف حضارات الأناضول ثم قلعة أنقرة صعودًا، ومتحف حرب الاستقلال (مبنى المجلس الأول) على بُعد دقائق على جادة الجمهورية. فمن نزل في أولوس صباحًا جمعها كلها في يوم واحد بلا سيارة. ولا تحتاج هنا حذاءً خاصًّا ولا صعودًا شاقًّا — الشاقّ هو الصعود إلى القلعة لا الوصول إلى المعبد.

موسم السباحة: الموقع مكشوف في ساحة، فالربيع والخريف ألطف؛ وصيف أنقرة حارّ جافّ وشتاؤها قارس ولا ظلّ يُذكر عند السياج. والصباح أفضل الأوقات لسببين: الضوء على النقش اللاتيني، وهدوء الساحة قبل أن يمتلئ محيط الجامع. وتُتجنّب ظهر الجمعة لأن الساحة كلها تمتلئ بالمصلّين، وكذلك ليالي القنديل ورمضان إن كان مرادك التأمّل في الحجر لا مشاهدة الحياة.

الحمّامات الرومانيةمعلم

الحمّامات الرومانية

الحمّامات الرومانية في أنقرة موقع أثريّ مكشوف على جادة تشانقيري في أولوس، وهو أوسع ما بقي من أنكيرا الرومانية. ونبدأ بتوقّع الزائر لأن خيبته هنا شائعة: لا توجد عمارة قائمة. ما تراه أساسات وجذوع جدران وحقل واسع من دعائم آجُرّية قصيرة على مرج مفتوح. فمن جاء يتوقّع صورة حمّامات كاراكلا في روما بأقواسها الشاهقة سيخرج خائبًا؛ ومن عرف ما ينظر إليه سيجد شيئًا أندر: مقطعًا مفتوحًا في بطن حمّام روماني، ترى فيه تحت الأرضية ما لا يُرى عادةً. بُني الحمّام في أوائل القرن الثالث الميلادي في عهد الإمبراطور كاراكلا (حكم 211–217)، ويرجّح مؤرخون أنه افتُتح في زيارته لأنكيرا نفسها. ونضبط هنا موضعين يُقرَّران عادةً بلا تحفّظ: نسبته إلى كاراكلا استنتاج من تاريخ البناء ومن زيارته المعروفة للمدينة، لا نقشَ تكريس يسمّيه؛ وتكريسه للإله أسكليبيوس إله الطبّ رأيٌ لبعض الباحثين مستنبَط من تمثال واحد عُثر عليه في الحفريات — فيُقال «يُرجَّح» لا «كُرِّس». ويُروى أن حريقًا أتى عليه في القرن الثامن بعد نحو خمسمئة سنة من الاستعمال، وهي رواية متوارثة في المصادر لا وثيقة. والمجمّع يمتدّ على نحو خمسة وستين ألف متر مربع في قسمين: مبنى الحمّام نحو 180 في 140 مترًا، والبالسترا — ساحة الرياضة — 95 في 95 مترًا كان يحفّها رواق من مئة وثمانية وعشرين عمودًا رخاميًّا، اثنين وثلاثين على كل ضلع، لم يبقَ منها إلا القواعد والجذوع. وداخل الحمّام تسلسل الغرف الروماني الكلاسيكي: غرفة الملابس، ثم الفريجيداريوم البارد (15 في 35 مترًا)، ثم التبيداريوم الفاتر (11 في 25)، ثم الكالداريوم الحارّ (25 في 25). ويلاحظ الباحثون أن الغرفتين الفاترة والحارّة كبيرتان على غير المعتاد — ولا عجب في مدينة شتاؤها شتاء أنقرة، فقد كانتا بلا ريب أحبّ أقسام الحمّام إلى أهله. لكن نجم الموقع هو الهيبوكوست: نظام التدفئة تحت الأرضية. فالأرضية الرخامية كانت مرفوعة على دعائم آجُرّية ارتفاعها نحو متر وثلث يجري الهواء الساخن بينها فيدفئ الحجر من تحت أقدام المستحمّين. وهذه الدعائم باقية بصفوفها في التبيداريوم والكالداريوم، ومعها آثار الأفران تحت الأرض وممرّان للخدمة بينهما سلالم موصولة. أي أنك تمشي فوق «ماكينة» الحمّام مكشوفةً — وهو ما لا تراه في المواقع التي بقيت جدرانها قائمة. وتحت المستوى الروماني كله تلّ (هويوك) فيه استيطان من العهد الفريجي: فطبقات الموقع بيزنطيّ فوق رومانيّ فوق فريجيّ. وحُفر الموقع بين سنتَي 1937 و1944. بدأه سنة 1937 الأستاذ رمزي أوغوز آريق حين تعرّف على التلّ وما فيه من آثار فريجية ورومانية، ثم كشف مبنى الحمّام سنة 1938–1939 حامد زبير قوشاي المدير العام للمتاحف بتمويل من «الجمعية التاريخية التركية» — وهو نفسه أول مدير للمتحف الإثنوغرافي بأنقرة — ثم أُكمل الكشف بينه وبين نجاتي دولوناي بين 1940 و1943. وفي الميدان حول الحمّام معرض حجريّ مفتوح فيه نحو ألف قطعة: شواهد قبور رومانية وبيزنطية في معظمها، ونقوش وكتل معمارية، ومذابح، وتوابيت، وتماثيل أسود، وأسطوانات أعمدة وتيجانها، وقبر من أواخر العهد الروماني أو مطلع البيزنطي محفوظة جدرانه الداخلية بفريسكاتها. (وننبّه إلى أن «أحجار الأميال» التي تُذكر أحيانًا في الأدلة لم نجد لها تأكيدًا في المصادر، فلا نَعِد بها.) وفي حفريات سنة 2009 خرج من الموقع ما يعني القارئ العربي خاصةً: تميمة مصرية من الفاينس عليها خرطوش الملك رمسيس الثاني، تُنسب إلى العصر المتأخر في القرن الثامن قبل الميلاد، ومعها تمثال برونزي صغير للإله أتيس وصليب من مطلع العهد البيزنطي. أي أن قطعة تحمل اسم فرعون مصري وُجدت في قلب أنقرة — شاهدًا على مدى ما كانت تبلغه التجارة والتنقّل في العالم القديم. وقد جرت في سنة 2022 حملة صيانة من وزارة الثقافة والسياحة نُظّفت فيها التماثيل وأُعيدت إلى قواعدها، وتُوِّجت أعالي الجدران ورُمّمت فواصلها، وأُنشئت ممرّات مشي وتنسيق للموقع. وفي سنة 2024 بدأت حملة تنقيب جديدة هدفها المعلن كشف المنشأة كاملةً ثم ترميمها — فتوقّع أن تجد أجزاء مسيَّجة للعمل.

العنوان: حيّ أنافارتالار، جادة تشانقيري، أولوس بمنطقة ألتينداغ. وأقرب محطة أولوس، ومنها نحو عشر دقائق مشيًا شمالًا على جادة تشانقيري. وقلعة أنقرة على نحو كيلومتر من الحمّام، وعمود يوليان على نحو خمس دقائق مشيًا منه. وأفضل ترتيب لجولة أولوس على الأقدام: ميدان أولوس ← عمود يوليان ← الحمّامات الرومانية ← معبد أوغسطس وجامع حاجي بيرام ولي ← متحف حضارات الأناضول ← قلعة أنقرة عند الغروب. ونصيحة توقيت عملية: اجعل الحمّامات أول النهار — فهي مفتوحة كل يوم، ومكشوفة بلا ظلّ، وتخلو من الناس باكرًا؛ واترك المتحف لأواخر الصباح، والقلعة للغروب. والعمود يكلّفك خمس دقائق فيُدسّ في أيّ موضع من اليوم.

موسم السباحة: الربيع والخريف أفضل المواسم بلا منازع، لأن الموقع مكشوف تمامًا ولا ظلّ فيه يُذكر. وهذا تنبيه نقوله صريحًا لقارئنا الخليجي والمصري: زيارة الموقع ظهيرة يوليو أو أغسطس تجربة قاسية بلا داعٍ، والصواب أن تكون بعد الفتح مباشرةً أو قبل الغروب. وشتاء أنقرة قارس والأرض تصير موحلة بعد المطر. وأجمل ضوء للتصوير أول النهار حين تمتدّ ظلال دعائم الهيبوكوست فتظهر صفوفها.

مركز جِرمودرن للفنونمتحف

مركز جِرمودرن للفنون

جِرمودرن مركز الفنون المعاصرة في أنقرة، ويقع في حيّ صحّية بمنطقة ألتينداغ على مرمى قدم من محطة قطار أنقرة. ويوصف بأن فيه أكبر صالة عرض في تركيا — ونسند الوصف إلى قائله لا نقرّره. افتُتح في أبريل سنة 2010 بمعرض ضمّ مئة وثلاثة وثلاثين عملًا من مجموعة إبرو أوزدمير. وتنبيه إداريّ يفسّر كثيرًا: المبنى والأرض ملك وزارة الثقافة والسياحة، أما التشغيل فبيد شركة خاصة — ولهذا يتصرّف المركز في برامجه وتسعيره تصرّف مؤسسة خاصة لا متحف دولة. وأجمل ما فيه أن وعاءه أثر صناعيّ. فالمبنى هو «ورش جِر»، ورش صيانة السكك الحديدية وإصلاحها، وقد بُنيت سنتَي 1926 و1927 بعد تأميم السكك — أي أنها من العهد الجمهوري المبكر لا من العهد العثماني كما يتردد أحيانًا — وظلّت تعمل تحت إدارة السكك الحديدية التركية حتى سنة 1995 ثم هُجرت. وقصّة تحويلها لافتة: فاز المعماريان سمرا أويغور وأوزجان أويغور سنة 1992 بمسابقة معمارية وطنية لبناء قاعة حفلات لأوركسترا الرئاسة السيمفونية في هذا الموقع، فتبيّن أن أرض المشروع تتداخل مع مباني الورش، وقد تضرّرت اثنتان من صالاتها الثلاث الباقية في أعمال تجديد السكك. فبدل هدم الصالة الثالثة، رمّمها المعماران وحوّلاها مركزًا للفنون على مبدأ سمّياه «الانسجام في التضادّ»: يُبقى النسيج الصناعي كما هو، ويُدسّ إلى جانبه بناء معاصر صريح لا يتنكّر في ثوب قديم. وجرى الترميم بين 2008 و2010. والمركز على أرض نحو خمسة عشر ألف متر مربع منها نحو أحد عشر ألفًا وخمسمئة مبنيّة، وفيه صالة عرض بنحو أربعة آلاف وخمسمئة متر مربع، وصالة تصوير فوتوغرافي بنحو سبعمئة متر، ومتجر متحف، وقاعة مؤتمرات بثلاثمئة وسبعين مقعدًا، وقاعة متعددة الأغراض، ومقهى ومطعم، وحديقة نحت. وفيه كذلك مكتبة وبرنامج إقامة للفنانين. وأما برنامج الأطفال «جِر تشوجوك» فانطلق في الحادي عشر من ديسمبر سنة 2011 بشعار «الفنّ للأطفال ومع الأطفال»، وفيه ورش فنون تشكيلية كل سبت وأحد لفئتَي خمس إلى سبع سنوات وثماني إلى إحدى عشرة، ومعه ورش «هَب ميكر سبيس» لصناعة الألعاب والدُّمى المتحركة. وأهمّ ما يحتاجه الزائر العربي أن يعرفه: المركز مفتوح وعامل. فقد ترددت شائعات عن إغلاقه أو تعثّره، ولم نجد لها سندًا واحدًا في الصحافة التركية بعد بحث مقصود. والدليل العملي أن برنامجه المنشور في أغسطس سنة 2026 حافل: معرض «ماتيس» الرقمي في «مسرح فلو الرقمي» من السادس عشر من يونيو إلى الثلاثين من أغسطس 2026، و«سوق المساء» لمصمّمين مستقلّين وخزّافين في منتصف أغسطس، ومهرجان الرقص المعاصر الفردي الدولي التاسع في التاسع والعشرين والثلاثين من أغسطس. وقد استضاف في مايو–يوليو 2025 معرض «جذور وآثار: فريدا» لأعمال مختارة من فريدا كاهلو. وما قد يكون أصل الشائعة أمر بنيويّ حقيقيّ لا إغلاق: أن المبنى ملك دولة والتشغيل بيد شركة خاصة، وأن المركز يقع داخل منطقة تطوير «مركز أنقرة الثقافي» التي لها في الصحافة التركية تاريخ طويل من المشاريع المتعثّرة والانتقادات. فالهشاشة البنيوية واقعة، والإغلاق غير واقع — ومع ذلك تبقى مراجعة الموقع الرسمي قبل الزيارة عادةً سليمة.

العنوان: جادة آلتين صوي رقم 3، صحّية بأنقرة. (وتجده مذكورًا أحيانًا في ألتينداغ — وهو صحيح إداريًّا، لكن المؤسسة نفسها تعنون في صحّية، فالأسلم أن يقال «صحّية بمنطقة ألتينداغ».) وأقرب محطة مترو صحّية بحسب الموقع الرسمي، ومواقف الحافلات القريبة «حديقة الشباب» و«العدلية». وهو على مسافة مشي قصيرة من محطة قطار أنقرة، وفي متناول أولوس. وللمركز موقف سيارات مكشوف في موقعه. ومن أراد جولة يوم واحد فالمركز يُضمّ بسهولة إلى حديقة الشباب ومحطة القطار ثم أولوس بمتاحفها.

موسم السباحة: المركز مغلق ومكيَّف فيصلح في كل الفصول، وهو خيار ممتاز في يوم مطير أو شديد البرودة في أنقرة — على خلاف أكثر معالم أولوس المكشوفة. وحديقة النحت في الخارج أمتع في الربيع والخريف. والبرنامج نفسه هو الموسم هنا لا الطقس: المعارض تتبدّل على مدار السنة، فالأصوب أن تُراجع صفحة المعارض قبل أن تخطّط — فمعرض واحد لافت قد يقلب زيارة عابرة إلى سبب للمجيء.

الأكلات المشهورة

دليل المطبخ التركي الكامل ←

أنقرة طاوة

الطبق الأيقوني للعاصمة؛ لحم ضأن مع الأرز أو الشعرية (أورزو) والتوابل يُطهى ببطء ساعات طويلة في أوانٍ نحاسية حتى ينضج ويتشرّب النكهات. يُقدَّم ساخناً مع اللبن والمخلّل، ويُجرَّب في المطاعم التقليدية بمركز المدينة.

سيميت أنقرة

نسخة أنقرة المميّزة من الكعك الحلقي المغطّى بالسمسم؛ أرقّ وأكثر قرمشةً من غيره، يُدهن سطحه بدبس العنب قبل الخبز فيكتسب لوناً ذهبياً ونكهة مميّزة. خبز شارع محبوب يُؤكل طازجاً مع الشاي في الصباح.

كباب البازلاما

من أطباق أنقرة الشعبية؛ قطعتان من خبز البازلاما الطري يُحشى بينهما لحم الضأن المطبوخ فيتشرّب الخبز عصارته، ويُزيَّن بالصلصة وجبن الكشقوان. وجبة دسمة ومُشبِعة تُقدَّم ساخنة من التنّور.

مخلّل تشوبوك

مخلّل الخيار الصغير الشهير من قضاء تشوبوك، محميّ جغرافياً وتُقام له مهرجانات سنوية. يتميّز بقرمشته وشكله المدبَّب المتناقص من طرفه، ويُقدَّم إلى جانب أطباق أنقرة كأنقرة طاوة ومع أغلب الوجبات.

قازان قاورما

طبق لحم مقلي على نار هادئة في قِدر كبير (قازان) من قضاء قهرمان قازان بأنقرة، بمكوّنات بسيطة تُبرز طعم اللحم ودهنه وحده. لحم طريّ غنيّ يُقدَّم مع الخبز، من مفاخر مطبخ اللحوم في الإقليم.

بيبازاري كوروسو

بسكويت جافّ مالح مزدوج الخبز من بلدة بيبازاري، محميّ جغرافياً؛ مُحضَّر بالزبدة ويبقى طازجاً أشهراً دون أن يفسد. مقرمش لذيذ يُغمس في الشاي، ومن أشهر ما يُشترى تذكاراً من البلدة.

غوفيتش بيبازاري

طاجن تقليدي من بلدة بيبازاري يُطهى ببطء في إناء فخّاري؛ لحم مع الخضار والتوابل يختمر مذاقها معاً على نار هادئة. طبق قروي دافئ يُقدَّم ساخناً في مطاعم البلدة العتيقة.
حلوى الجزر (بيبازاري)

Adem — CC BY-SA 4.0، عبر ويكيميديا كومنز

حلوى الجزر (بيبازاري)

من رموز بيبازاري المعروفة بجزرها؛ راحة (لوكوم) بنكهة الجزر أقلّ حلاوةً من المعتاد، إلى جانب عصير الجزر ومربّاه. حلوى خفيفة ملوّنة تصلح تذكاراً محبَّباً يُشترى من محلّات البلدة.
الوصفة والتاريخ ←
بقلاوة الثمانين طبقة

Sakaman — CC BY-SA 4.0، عبر ويكيميديا كومنز

بقلاوة الثمانين طبقة

فخر حلويات بيبازاري؛ بقلاوة تُصنع من ثمانين طبقة رقيقة جداً من العجين المفرود يدوياً وتُحشى بالجوز وتُسقى بالشراب. صناعتها تتطلّب مهارة عالية وصبراً، وتُعدّ من أشهى وأدقّ بقلاوات الأناضول.
الوصفة والتاريخ ←

دليل المطبخ التركي كاملًا — 50 طبقًا بصفحاتها ←

الأسواق والمولات

الأسواق والبازارات

منحدر تشيكريكتشيلار (بازار سامانبازاري)

أشهر سوق مكشوف تاريخي في أنقرة يمتدّ صعوداً نحو القلعة في منطقة سامانبازاري بألتينداغ. تنتشر فيه الأقمشة والسجّاد والتحف والأنتيكات والتوابل والأعشاب والمنتجات التقليدية، وهو أفضل مكان لاقتناء الهدايا وتذوّق طابع أنقرة القديمة. مفتوح يومياً في ساعات النهار ويخفّ نشاطه يوم الأحد.

الاتجاهات في خرائط جوجل

سوق النحّاسين (بازار بكرجيلر)

سوق النحّاسين التاريخي على منحدر قلعة أنقرة عند نهاية منحدر تشيكريكتشيلار في زقاق سلمان؛ متاهة من الدكاكين والورش يطرق فيها الحرفيون النحاس يدوياً منذ أجيال. تُباع الأواني والصواني والمصابيح والتحف النحاسية، وأجواؤه أصيلة يقصدها الزائر للتصوير والشراء. مفتوح يومياً في ساعات النهار.

الاتجاهات في خرائط جوجل
مشهد من بيبازاري التاريخية

Gargarapalvin — CC BY-SA 4.0، عبر ويكيميديا كومنز

سوق بيبازاري التاريخي

قلب بلدة بيبازاري التاريخية بين منازلها العثمانية المرمَّمة؛ سوق للفضّيات المشغولة يدوياً والحلوى والبسكويت (كوروسو) والمنتجات المحلية والتحف. تجربة تسوّق أصيلة تجمع الحرف والطعام، يزداد حيويةً في عطلات نهاية الأسبوع حين تكثر رحلات الزوّار من أنقرة. مفتوح يومياً في ساعات النهار.
الصفحة الكاملة ←

المولات

بانورا

مركز تسوّق شهير في حيّ أوران بقضاء تشانكايا؛ يتميّز بقبّته الزجاجية الكبيرة وحوض أسماك داخلي، ويضمّ أكثر من مئة وتسعين متجراً ومطاعم وصالات سينما. وجهة عصرية مريحة للعائلات في الجنوب الراقي من المدينة.

يوميًا 10:00–22:00

الاتجاهات في خرائط جوجل

أرمادا

مركز تسوّق وأعمال كبير في حيّ سوغوتوزو بقضاء تشانكايا، قريب من محطة المترو ومن كراج المدينة (أوتوغار آشتي). يجمع المتاجر والمطاعم والمقاهي وصالات السينما، وموقعه العملي يجعله محطّة مناسبة للقادمين والمغادرين.

يوميًا 10:00–22:00

الاتجاهات في خرائط جوجل

أتاكولة

برج أنقرة الأيقوني في حيّ تشانكايا بمنصّته البانورامية الدوّارة المطلّة على العاصمة، وأسفله مركز تسوّق متجدّد بالمتاجر والمقاهي والمطاعم. يجمع بين التسوّق وأجمل إطلالة على المدينة، وهو من أبرز معالم أنقرة الحديثة.

يوميًا 10:00–22:00

الاتجاهات في خرائط جوجل

نكست ليفل

وجهة التسوّق الفاخر في أنقرة بحيّ تشانكايا (منطقة سوغوتوزو)؛ يضمّ ماركات عالمية راقية إلى جانب المطاعم والمقاهي العصرية ضمن مجمّع أبراج حديث. الخيار الأنسب للباحثين عن العلامات الفاخرة والأجواء الأنيقة.

يوميًا 10:00–22:00

الاتجاهات في خرائط جوجل
أنكامول مضاءً ليلًا في يني محلة بأنقرة

Kayra — CC BY 4.0، عبر ويكيميديا كومنز

أنكامول

من أكبر مراكز التسوّق في تركيا، في حيّ أكّوبرو بقضاء يني محلة؛ يضمّ أكثر من ثلاثمئة متجر لماركات عالمية ومحلية، وصالات سينما، ومنطقة مطاعم واسعة، وهايبرماركت. يصله المترو مباشرةً، وهو وجهة تسوّق عائلية متكاملة.
الصفحة الكاملة ←

النقل والمواصلات

بطاقة المواصلات والدفع

تنتقل داخل أنقرة بشبكة مترو حديثة من أربعة خطوط (M1–M4) إضافةً إلى المترو الخفيف الأنكاراي (A1)، وكلها تلتقي عند محور كيزيلاي في قلب المدينة. تُدفع الأجرة عبر بطاقة أنقرة كارت (AnkaraKart) وهي بطاقة واحدة تصلح للمترو والأنكاراي والحافلات؛ تُشترى وتُشحن من أكشاك المحطات وآلات البيع، وتُلامَس عند الدخول، مع خصم عند التحويل بين الوسائط خلال نافذة زمنية. للسائح: محطة أولوس (M1) لقلعة أنقرة ومعبد أوغسطس والحاج بيرم، وكيزيلاي لقلب المدينة، ومحطة أناضولو/أنيت كابير (الأنكاراي) لضريح أتاتورك، ومحطة غار (M4) لمحطة القطارات. الوصول من إسطنبول: أسهل الطرق قطار YHT فائق السرعة إلى محطة أنقرة المركزية (غار) خلال نحو ٤–٤٫٥ ساعات، أو رحلة جوية إلى مطار إسنبوغا (ESB). مطار إسنبوغا غير موصول بالمترو؛ وأمامك خدمتان منفصلتان لا واحدة: حافلة بلدية EGO رقم ٤٤٢ من وإلى ميدان كيزيلاي بأجرة تقارب ١٣٠ ليرة تُدفع ببطاقة أنقرة كارت، أو حافلات شركة Belko Air / Ankara Air الخاصة وتعرفتها أعلى (نحو ٢٠٠ ليرة) وتُشترى منها مباشرة — تأكد من القيمتين قبل السفر، أو بمكوك هافاش (Havaş) إلى محطة الحافلات آشتي. يكمّل الشبكةَ قطارُ باشكنت راي الضاحوي (سنجان – كاياش) الذي يعبر المدينة أرضياً ويتوقف في المحطة المركزية غار.

اضغط على أي خط لعرض محطاته بالترتيب على رسمة الخط والمعالم القريبة من كل محطة، أو افتح دليل المواصلات الكامل.

مترو

M1

الخط M1 (كيزيلاي – باتيكنت)المحطات والخريطة ←

من كيزيلاي مركز المدينة شمالاً وغرباً إلى باتيكنت، مروراً بأولوس (القلعة) والمكاتب الحكومية.

الخط الأهم للسائح: محطة أولوس تخدم قلعة أنقرة ومعبد أوغسطس ومسجد الحاج بيرم، وصحّية قرب الأوبرا وحديقة الشباب. يعمل بتشغيل متواصل مع M2 وM3.

نحو ٦:٠٠ صباحاً حتى منتصف الليل (تقريباً)

M2

الخط M2 (كيزيلاي – كورو / تشاي يولو)المحطات والخريطة ←

من كيزيلاي جنوباً غرباً عبر منطقة الوزارات والجامعات (ODTÜ وبيلكنت وحاجتّبه) إلى تشاي يولو وكورو.

يخدم أحياء تشانكايا الراقية ومراكز التسوق والحرم الجامعي. يلتقي كل خطوط الشبكة عند كيزيلاي.

نحو ٦:٠٠ صباحاً حتى منتصف الليل (تقريباً)

M3

الخط M3 (باتيكنت – OSB توريكنت)المحطات والخريطة ←

من باتيكنت غرباً عبر إريامان إلى المنطقة الصناعية OSB توريكنت.

خط سكني وصناعي بالأساس؛ قيمته السياحية محدودة عدا حديقة هاريكالار ديياري للأطفال.

نحو ٦:٠٠ صباحاً حتى منتصف الليل (تقريباً)

M4

الخط M4 (كيزيلاي – شهيتلر / كيتشيورن)المحطات والخريطة ←

من كيزيلاي شمالاً إلى حي كيتشيورن، ويمرّ بمحطة القطار المركزية (غار).

المحطة الأهم فيه هي غار: محطة أنقرة للقطارات وقطارات YHT فائقة السرعة. يتبادل مع M1 عند مركز أتاتورك الثقافي (AKM).

نحو ٦:٠٠ صباحاً حتى منتصف الليل (تقريباً)

A1

الأنكاراي (A1) (آشتي – ديكيم إيفي)المحطات والخريطة ←

مترو خفيف يعبر وسط المدينة من آشتي (محطة الحافلات) شرقاً إلى ديكيم إيفي، مروراً بكيزيلاي.

أفضل وسيلة للوصول إلى ضريح أتاتورك (أنيت كابير) عبر محطة أناضولو/أنيت كابير، وإلى محطة الحافلات المركزية آشتي.

نحو ٦:٠٠ صباحاً حتى منتصف الليل (تقريباً)

الأجرة عبر بطاقة أنقرة كارت (AnkaraKart) برسم موحّد لكل رحلة، مع خصم عند التحويل خلال مدة محددة؛ لا تُقبل النقود داخل البوابات — تأكد من القيمة الحالية عند الزيارة.

تاريخ أنقرة

يمتدّ تاريخ أنقرة آلاف السنين: استوطنها الحثيون والفريجيون، وكانت غوردیون القريبة عاصمة مملكة فريجيا وملكها الأسطوري ميداس صاحب «اللمسة الذهبية». عُرفت باسم أنكيرا (Ancyra)، وصارت في القرن الثالث قبل الميلاد عاصمة الغلاطيين القادمين من أوروبا، ثم ضمّها الإمبراطور أوغسطس إلى روما نحو 25 ق.م عاصمةً لولاية غلاطية؛ ومن تلك الحقبة معبد أوغسطس بوصيّته الشهيرة (Res Gestae) والحمّامات الرومانية وعمود يوليان. ازدهرت بيزنطيًا خلف أسوار قلعتها، ثم دخلت المدار السلجوقي والعثماني، وعلى سهولها القريبة دارت معركة أنقرة الفاصلة عام 1402 بين السلطان بايزيد الأول وتيمورلنك. اشتهرت عثمانيًا بصوف الموهير الناعم من ماعز الأنقرة (Angora) الذي صدّرته إلى أوروبا فحمل اسمها. نقطة التحوّل الكبرى كانت 1920 حين اتّخذها مصطفى كمال أتاتورك مقرًّا للمجلس الوطني الكبير وقاعدةً لإدارة حرب الاستقلال، ثم أُعلنت عاصمةً للجمهورية في 13 أكتوبر 1923. عندها خُطّطت مدينة حديثة على يد معماريين كهرمان يانسن، فتجاور فيها الأثر القديم والعمارة الجمهورية جنبًا إلى جنب.

أسئلة شائعة عن أنقرة

كيف أصل من مطار إسنبوغا إلى وسط أنقرة؟
بحافلة المطار، فالمترو لا يصل إليه. حافلة بلكو أير (الخط 442) تعمل من وإلى ميدان كيزيلاي كل 20–30 دقيقة والرحلة نحو 60 دقيقة، والبديل مكوك هافاش إلى محطة الحافلات آشتي. التعرفة تُدفع ببطاقة أنقرة كارت وتتغيّر دوريًا.
ما أفضل طريقة للسفر من إسطنبول إلى أنقرة؟
قطار YHT فائق السرعة. يصل إلى محطة أنقرة المركزية (غار) في نحو أربع إلى أربع ساعات ونصف، والمحطة موصولة بخط المترو M4 فتكمل داخل المدينة مباشرة. البديل رحلة جوية إلى إسنبوغا، لكن الوصول من المطار يضيف نحو ساعة.
ما البطاقة التي أحتاجها للمواصلات في أنقرة؟
أنقرة كارت. بطاقة واحدة تصلح للمترو والأنكاراي وحافلات البلدية، تُشترى وتُشحن من أكشاك المحطات وآلات البيع، وتمنحك خصمًا عند التحويل بين الوسائط خلال نافذة زمنية. لا تُقبل النقود عند البوّابات فاشترِها أول ما تصل.
في أي محطة أنزل لأشهر معالم أنقرة؟
محطة أولوس على الخط M1 للقلعة ومعبد أوغسطس وجامع حاجي بيرام ومتحف حضارات الأناضول والحمّامات الرومانية، وكيزيلاي لقلب المدينة، ومحطة أنادولو/تاندوان على الأنكاراي لضريح أتاتورك، ومحطة غار على M4 لمحطة القطارات.
كم يومًا تحتاج أنقرة؟
يومان. يوم لأنيت كابير ومتحف حضارات الأناضول والقلعة وحيّ أولوس القديم، ويوم لكيزيلاي وجامع كوجه تبه وحديقة كوغولو وبرج أتاكولة. أضف يومًا ثالثًا لبلدة بيبازاري العثمانية (نحو 100 كم) أو مدينة غورديون المدرَجة في اليونسكو.
هل تصلح أنقرة رحلة يوم واحد من إسطنبول؟
عمليًا لا. الذهاب والإياب بالقطار السريع يستهلك نحو تسع ساعات، فلا يبقى لك سوى ساعات قليلة. بِت ليلة على الأقل حتى تدرك أنيت كابير ومتحف حضارات الأناضول وحيّ القلعة براحة دون سباق مع الوقت.
ما وجهة قريبة من أنقرة تصلح للأطفال؟
بحيرة موغان في غولباشي على نحو 20 كم جنوبًا (نحو 30 دقيقة بالسيارة أو بدولموش من كيزيلاي)، وبجوارها بحيرة إيمير. المشاة والدرّاجات يدخلون إيمير مجانًا، أمّا دخول السيارة فيحتاج بطاقة من جامعة ODTÜ.

المصادر

  • صورة الترويسة: الصورة: Tolga Bakı — CC BY 4.0، ويكيميديا كومنز

آخر تحديث للبيانات: 27.07.2026 — المواعيد والأسعار تتغيّر دون إشعار — ويوم حجزك أنت يَجُبّ ما هنا. كل معلم على صفحته الخاصة يحمل مصادره وتاريخ تحقّقه — هذه الصفحة فهرس يتحدّث تباعًا.

تخطط لزيارة أنقرة؟

فريقنا في تركيا يجهّز لك البرنامج والإقامة والتوصيل — تحدث معنا مباشرة على واتساب.